تشريعات الصحفيين في مناطق النزاعات المسلحة.. بين التطبيق والتحديث

أسماء دياب
مخاطر شديدة يتعرض لها الصحفيون في مناطق النزاعات المسلحة، مثل سوريا، واليمن، وليبيا، بسبب ما يتعرضون له يوميا من انتهاكات ما بين اعتقالات، وتعرض للسلامة الجسدية. فقد يصل الأمر، في كثير من الأحيان، إلى التصفية الجسدية، وأقول التصفية الجسدية وليس القتل، في إشارة إلى أن استهداف الصحفيين في هذه المناطق متعمد، لما تمثله الصحافة من قوة فاعلة على مسرح الأحداث.
رغبة الأطراف المتصارعة في عدم توثيق الأحداث، ونقلها للرأي العام الدولي والمحلي، تجعل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة في مرمى استهداف الأطراف المتصارعة، سواء بالقتل أو الاعتقال.
فقد أفاد تقرير، صادر عن نقابة الصحفيين اليمنيين، بأنه منذ بداية عام 2018، وصلت حالات الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون إلى 100 حالة، منها 38 حالة اختطاف واعتقال، و18 حالة اعتداء، و9 حالات منع من التغطية، و8 حالات تهديد، فيما تمت مصادرة مقتنيات الصحفيين خمس مرات، و5 حالات قتل للصحفيين. وأشارت النقابة إلى أن عدد الشهداء من الصحفيين منذ عام 2014 إلى منتصف عام 2018 بلغ 27 صحفياً ومصوراً وعاملاً في مجال الإعلام.
ونفس المصير الأليم يتعرض له الصحفيون في سوريا. فمنظمة “مراسلون بلا حدود” صنفت سوريا كثاني أكثر البلدان فتكاً بالصحفيين خلال عام 2018، مشيرة إلى أن عام 2018 شهد ما لا يقل عن مقتل 80 صحفياً، و348 محتجزا، و60 رهينة، مما تعكسه هذه الأرقام من عنف غير مسبوق ضد العاملين بالصحافة.
وفى التقرير نفسه الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، أوضح أن مؤشر حرية الصحافة لعام 2018، الذي يقيس أوضاع الصحافة في 180 دولة حول العالم، احتلت فيه ليبيا المرتبة 162، وهى المرتبة الـ 15 عربياً، والأخيرة بالنسبة لدول شمال إفريقيا. وذكرت المنظمة أن العمل الصحفي في ليبيا محفوف بالمخاطر، ووصفتها بأنها واحدة من أخطر دول العالم على الصحفيين.
في ظل هذا الوضع الصعب، والمخاطر الحتمية التي تتعرض لها الصحافة والعاملون بها في مناطق النزاعات المسلحة، يمكن أن نطرح تساؤلا يستحقق البحث عن إجابة، وهو: أين التشريعات الداخلية التي تحمى حرية الرأي، وتحمى العاملين في مجال الصحافة فى أثناء تأديتهم لواجبهم في نقل الحقائق إلى الرأي العام، ومدى إمكانية تفعيل هذه التشريعات؟، حيث نص قانون الصحافة اليمنى رقم (25) لسنة 1990 في مادته الخامسة على “أن الصحافة حرة فيما تنشره وفى استقاء المعلومات من مصادرها، وهى مسئولة عما تنشره في حدود القانون”. كما تنص المادة (13) على أنه “لا يجوز مساءلة الصحفي عن الرأي الذي يصدر عنه، أو المعلومات الصحفية التي ينشرها، وألا يكون ذلك سبباً للإضرار به ما لم يكن فعله مخالفاً للقانون.”
ويؤكد قانون الإعلام السوري الحقوق ذاتها، حيث تنص المادة السابعة منه على أن “حرية الإعلام مصونة في القانون، ولا يجوز أن يكون الرأي الذي ينشره الإعلامي سبباً للمساس بهذه الحرية، إلا في حدود القانون”. وتنص أيضا المادة (11) على أنه “يعد أي اعتداء على الإعلامي في معرض تأدية عمله بمنزلة الاعتداء على موظف عام”.
تطرح قراءة وتحليل المواد القانونية سابقة الذكر تساؤلا أيضا، هو: لماذا لا تفعّل هذه النصوص التشريعية في ظل الوضع المتردي الزى يعانيه الصحفيون، وهم يؤدون عملهم فى هذه الدول المشتعلة بالصراعات الداخلية والدولية؟.
لقد تسببت حالة السيولة التي تعانيها الدول المذكورة في صعوبة تطبيق التشريعات السابقة، خاصة أن الميليشيات المسلحة لا تزال تربك واقعها السياسي، والاجتماعي، والأمنى في مناطق كثيرة منها. فالميليشيات الحوثية فى اليمن، على سبيل المثال، تسيطر على مناطق شاسعة تخضع لسيطرتها، وتقوم باستهداف الصحفيين بشكل يومي، مما جعل الصحفيين جزءا لا يتجزأ من أتون الحرب، مما أدى بدوره إلى انهيار الصحافة بشكل كامل في اليمن، والحال نفسه فى سوريا وليبيا فى ظل ظروف أخرى مشابهة.
أما فيما يتعلق بالمراسلين الأجانب، فقد منعتهم الأحداث المضطربة من أداء عملهم، فلا توجد الآن صحافة دولية في أغلب المناطق النزاعات، ولا توجد منظمات فى مناطق النزاعات المسلحة ترصد الانتهاكات التى تمارس بحقهم، وتقدم لهم الدعم فى الأجواء التي يغلب عليها الهلاك، والتى يمارسون عملهم فيها.
هذا فيما يتعلق بالتشريعات الوطنية التي تحمى الصحفيين فى أثناء ممارستهم مهامهم في مناطق النزاعات المسلحة، ومدى إمكانية تطبيقها على أرض الواقع. أما فيما يتعلق بالمواثيق والأعراف الدولية، التي تحمى الصحفيين، وهم فى سبيل أدائهم مهمتهم فى توثيق الحقائق والمعلومات، ونشرها على الرأي العام، فما هي الحماية القانونية الدولية للصحفيين فى أثناء النزاعات المسلحة، المقررة في المواثيق الدولية؟ وما موقف المحاكم الجنائية الدولية من الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون فى هذه المناطق؟ وما الجزاءات المستحقة عن هذه الانتهاكات، إذا ثبتت المسئولية الدولية لدولة ما عن هذه الانتهاكات؟ وما هي الآليات لإثبات هذه الانتهاكات؟ وهل تسرى هذه التشريعات الدولية فى مواجهة الميليشيات المسلحة دون الدولة، بعدّها عنصرا فاعلا فى المشهد فى هذه النزاعات المسلحة؟ كل هذه الأسئلة سأبحث عن إجابات لها فى المقال القادم بإذن الله، أدام الله على بلادنا نعمة الاستقرار، والأمن، والأمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *