تبت يد أبي لهب في واقعنا

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

أول أيام رمضان، يوم يفترض أن يكون فيه الصبر وضبط النفس، يوم الامتناع ليس عن الطعام فقط، بل عن الأذى واستخدام القوة بلا مبرر. لكن ما شهدناه أظهر فرق القوة بين من يملك المال والواسطة ومن لا يملك سوى رزقه. المجني عليه لم يرد ولم يحاول الدفاع عن نفسه، ليس ضعفا، بل إدراكا لحقيقة واقعه: أي رد فعل قد يكلفه عمله ومستقبله، وصمته كان الوسيلة الوحيدة للبقاء. وزارة الداخلية أعلنت القبض على الجاني عبر صفحتها الرسمية، وهذا إجراء مهم وضروري، لكنه لن يمحو الشعور بالظلم الذي خيم على المشهد. التعاطف مع المجني عليه ليس شفقة، بل هو وعي جماعي؛ لأنه يمثل ((الغالبية التي تعيش تحت وطأة الفوارق الطبقية المذلة)) ويكافح يوميا ليكسب رزقه.

لقد تناولت في مقالات سابقة الجريمة الطبقية والطبقية المهنية… وكتبت عن تأثير الفوارق الاجتماعية في سلوك البشر، وعن كيف تتحول القوة الاقتصادية والاجتماعية أحيانا إلى شعور بالاستعلاء يبرر الاعتداء والإهانة. ما شهدناه بالأمس لم يكن حادثا معزولا، بل امتدادا لما ناقشته سابقا: تمكين اجتماعي يمنح البعض القدرة على فرض إرادتهم على من لا يملك إلا حاجته اليومية، وتعليم ضمني بأن القانون لا يحمي إلا من يملك القدرة على الوصول إليه.

هذه الظواهر تتكرر في مسلسلات البلطجة وفي أفلام التوليفة الناجحة، وفي مشاهد التعالي وفرض السيطرة التي تنتقل من الشاشة إلى الواقع. الواقع أحيانًا يكون أقسى من الفن، لأن العواقب حقيقية والألم حقيقي، وليس مجرد مشهد تمثيلي يمكن تجاوزه.

القانون الجنائي، مهما كان صارما، لن يستطيع وحده منع هذه الممارسات أو تغيير مناخ الاستعلاء الاجتماعي. ما نحتاجه هو تكاتف كل القوى المجتمعية: الإعلام، الفن، الدين، الدولة، وكل من يملك منبرا، ليزرعوا ثقافة الاحترام المتبادل ويؤكدوا أن الكرامة لا تقاس بالمال أو المنصب أو الواسطة، وأن أي تجاوز على الآخر هو فعل مرفوض أخلاقيا وقانونيا.

الواقعة لن تكون الأخيرة ولن تكون فريدة بل تتكرر يوميا بأشكال مختلفة: كلمة جارحة لموظف بسيط، نظرة استعلاء لشاب يحاول إثبات نفسه، أب عاجز أمام أولاده، أو شاب يبحث عن فرصة عمل فلا يجد. الإذلال لا يحتاج دائما إلى ضرب مباشر، أحيانا يكفي شعور بالهوان وكأن الضعيف مستباح.

المسألة ليست (واقعة فردية) بل انعكاس لمجتمع يحتاج أن يطرح أسئلة مهمة: هل يشعر العامل البسيط أن القانون يحميه؟ هل يعرف القوي أن مكانته لا تمنحه الحق في الإهانة؟ هل نربي الأجيال على الاحترام المتبادل وليس الامتياز لمن يملك أكثر؟ الإجابة على هذه الأسئلة تحدد شكل المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.

القوة الحقيقية ليست في القدرة على (فرض السيطرة) بل في ضبط النفس واحترام الآخر، واستخدام كل منصة لنشر قيم الاحترام والمساواة. المجتمع الذي يحمي أضعف أفراده هو مجتمع حي، لا مجرد صرح من مبان شاهقة.

أمس كشف ضعفا في (النظام الاجتماعي) واليوم يجب أن يكون درسا لإعادة ترسيخ معنى الكرامة والرحمة والعدل. لا أحد يعلو على القانون، ولا أحد يستحق الإهانة لأنه يؤدي عمله. الرحمة لا الشفقة يجب أن تكون بوصلة كل موقف لأن المجتمع الذي يشعر أفراده أن كرامتهم محفوظة هو المجتمع الذي يستمر.

إذا كان الأمس صورة لاعتداء على فرد أمن، فهو مرآة لما يحدث يوميا في المجتمع. عصر الفتوة لم يختف، لكنه يمكن أن يحارب عبر وعي جماعي، وعبر تكاتف كل من يملك صوتًا أو منبرا ليقول بصوت واحد: لا أحد أعلى من القانون، والكرامة حق للجميع. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى