«النقض»: قرابة الشاهد للمجني عليه لا تمنع من الأخذ بأقواله

أكدت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم 15673 لسنة 90 قضائية، أن قرابة الشاهد للمجني عليه لا تمنع من الأخذ بأقواله متى اقتنعت المحكمة بصدقها، وكان الأصل أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لوقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغًا يستند إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق.

المحكمة

بعد الاطلاع علي الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانونًا.

من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.

ومن حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي إحداث عاهة مستديمة وإحراز أداة مما تستخدم في الاعتداء على الأشخاص بغير مسوغ قانوني قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ومخالفة الثابت بالأوراق، ذلك بأن الحكم لم يحط بوقائع الدعوى، ولم يورد مضمون أقوال شاهدي الإثبات الثاني والثالث واكتفى بالإحالة فيها إلى ما أورده من أقوال المجني عليه رغم اختلافها وتناقضها، ولم يستظهر الحكم أركان جريمة العاهة التي دانه بها رغم الدفع بانتفائها، وعول في قضائه بالإدانة على أقوال المجني عليه وشاهدي الإثبات الثاني والثالث ملتفتًا عن دفاع الطاعن بقرابة الشاهدين للمجني عليه وبعدم معقولية الوقعة وبكيدية الاتهام وتلفيقه.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه لا يعيب الحكم أن يحيل في بيان شهادة الشهود إلى ما أورده من أقوال شاهد آخر ما دامت أقوالهم متفقة مع ما استند الحكم إليها، ولا يؤثر في هذا النظر اختلاف الشهود في بعض التفصيلات التي لم يوردها الحكم، ذلك أن لمحكمة الموضوع في سبيل تكوين عقيدتها أن تعتمد على ما تطمئن إليه من أقوال الشاهد وأن تطرح ما عداها، وفي عدم إيراد المحكمة لهذه التفصيلات ما يفيد اطّراحها لها، هذا فضلًا عن أنه لما كان من المقرر في قضاء محكمة النقض أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحًا محددًا، وكان النعي على الحكم بدعوى عدم إيراد أقوال الشاهدين الثاني والثالث والإحالة بالنسبة لأقوالهما إلى أقوال الشاهد الأول رغم تناقض أقوالهم قد جاء خلوًا من تحديد مواطن الاختلاف، فإن النعي بهذا يكون غير مقبول.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الركن المادي في جريمة إحداث عاهة مستديمة يتحقق كلما أحدث الجاني بالمجني عليه جرحًا أو ضربًا نشأ عنه قطع أو انفصال عضو فقد منفعته أو نشأ عنه كف البصر أو فقد أحد العينين أو نشأ عنه عاهة مستديمة يستحيل برؤها، وكان من المقرر أيضًا أن جرائم الجرح عمدًا والتي ينشأ عنها عاهة مستديمة لا تتطلب غير القصد الجنائي العام، وهو يتوافر كلما ارتكب الجاني الفعل عن إرادة وعن علم بأن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة المجني عليه أو صحته، وأن محكمة الموضوع لا تلتزم بأن تتحدث استقلالًا عن القصد الجنائي في هذه الجرائم.

بل يكفي أن يكون هذا القصد مستفادًا من وقائع الدعوى. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بالأدلة القولية والفنية أن الطاعن ضرب المجني عليه عمدًا باستخدام شومة فأحدث به الإصابة الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي والتي تخلف لديه من جرائها عاهة مستديمة يستحيل برؤها تمثلت في تيبس في المفصل السلامي الأول والثاني لإصبع الخنصر الأيمن وتقدر نسبتها بنحو 5%، ومن ثم يعد ذلك كافيًا وسائغًا على تدليل الحكم على توافر الركنين المادي والمعنوي لجريمة الجرح الذي نشأ عنه عاهة مستديمة كما هو معرف بها في الفقرة الأولى من المادة ٢٤٠ من قانون العقوبات، ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص غير سديد.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن قرابة الشاهد للمجني عليه لا تمنع من الأخذ بأقواله متى اقتنعت المحكمة بصدقها، وكان الأصل أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لوقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغًا يستند إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وكان من المقرر أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء عليها مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه دون رقابة لمحكمة النقض عليها.

وإذ كان الطاعن لا ينازع في صحة ما نقله الحكم من أقوال المجني عليه، فإن اختلاف روايته في بعض تفاصيلها أو تناقض أقواله مع أقوال الشاهدين الثاني والثالث بفرض قيامه لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته ما دام استخلص الحقيقة من أقوالهم استخلاصًا سائغًا لا تناقض فيه، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال المجني عليه وباقي شهود الإثبات وصحة تصويرهم للوقعة، فإن ما ينعاه الطاعن بشأن عدم صحة ومعقولية الوقعة والدفع بكيدية الاتهام وتلفيقه يكون من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب في الأصل من المحكمة ردًا صريحًا ما دام الرد مستفادًا من القضاء بالإدانة استنادًا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم.

وما يثيره الطاعن في هذا الشأن هو جدل موضوعي في تقدير الأدلة مما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه ولا مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الحكم قد عول في إثبات التهمة في حق الطاعن على أقوال المجني عليه ……………….، ومما ثبت من تقريري مستشفى ميت غمر العام ومصلحة الطب الشرعي، ولم يعول في ذلك على أقوال شقيق المجني عليه التي لم يشر إليها في مدوناته، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن يكون غير سديد.

لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من قدم إصابة المجني عليه وحدوثها في تاريخ سابق على تاريخ الحادث لا تأثير له على قيام أركان جريمة إحداث العاهة المستديمة ما دام أنه لم يدع في مرافعته أن المفصل السلامي لإصبع الخنصر الأيمن موضوع الإصابة كان متيبسًا من قبل الإصابة المسند إليه إحداثها بالمجني عليه، وكان من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بأن تتبع المتهم في مناحي دفاعه المختلفة والرد على كل شبهة يثيرها على استقلال، إذ الرد مستفاد دلالة من أدلة الثبوت السائغة التي أوردها الحكم.

فإن ما يثيره الطاعن بشأن قدم إصابة المجني عليه لا يعدو أن يكون محاولة لتجريح أدلة الدعوى على وجه معين تأديًا من ذلك إلى مناقضة الصورة التي ارتسمت في وجدان قاضي الموضوع بالدليل الصحيح، وهو ما لا تقبل إثارته لدى محكمة النقض.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الأدلة في المواد الجنائية إقناعية، وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة في الدعوى، ولها أيضًا أن تعرض عن قالة شهود النفي ما دامت لا تثق بما شهدوا به، وهي غير ملزمة بالإشارة إلى أقوالهم ما دامت لم تستند إليها، كما أنها لا تلتزم بالرد صراحة على أدلة النفي التي يتقدم بها المتهم ما دام الرد عليها مستفادًا ضمنًا من الحكم بالإدانة اعتمادًا على أدلة الثبوت التي أوردتها.

إذ بحسب الحكم كيما يتم تدليله ويستقيم قضاؤه أن يورد الأدلة المنتجة التي صحت لديه على ما استخلصه من مقارفة المتهم للجريمة المسندة إليه، ولا عليه أن يتعقبه في كل جزئية من جزئيات دفاعه، لأن مفاد التفاته عنها أنه اطّرحها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان تحدث الحكم عن المجني عليه بأنه المتهم في موضع منه لا يعدو أن يكون على ما يبين من مدوناته المتكاملة مجرد خطأ مادي في الكتابة لم يكن بذي تأثير على حقيقة تفطن المحكمة للواقع المعروض عليها، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد غير سديد.

لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول في إدانة الطاعن على دليل مستمد من استجوابه بتحقيقات النيابة العامة، فإنه لا يجديه ما يثيره بشأن خطأ الحكم فيما أورده من أنه لم يُسأل بتحقيقات النيابة العامة على خلاف الثابت بالأوراق على فرض من صحة ذلك. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساسٍ متعينًا رفضه موضوعًا.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع برفضه.

أمين السر رئيس الدائرة

زر الذهاب إلى الأعلى