«النقض» توضح شرط تحقق جريمة إحراز سلاح ناري

أكدت محكمة النقض في أثناء نظرها الطعن رقم ۱۱۲۷۰ لسنة ۹۰ ق، أنه يكفي لتحقق جريمة إحراز سلاح ناري وذخيرة بغير ترخيص مجرد الحيازة المادية لهما، أياً كان الباعث على حيازتهما ولو كان الأمر عارضاً أو طارئاً.

وأضافت أنه لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق.

المحكمـــة

 

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً.

من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.

 

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم حيازة أسلحة نارية مششخنة (بنادق آلية) مما لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها وحيازة ذخائر مما تستخدم على تلك الأسلحة بغير ترخيص، والضرب مع سبق الإصرار المفضي إلى الموت، والضرب المعجز عن الأشغال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوماً، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون كما اعتراه الإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه لم يحط بواقعات الدعوى وظروفها وأركان الجريمة التي دانه بها ومؤدى الأدلة التي استند إليها في الإدانة، كما دانه استناداً إلى أقوال شهود الإثبات رغم أنها لا تصلح لأن تكون دليلاً للإدانة لتناقضها فيما بين الاستدلالات والتحقيقات واختلافها عن أقوال الطاعن، وعدم تعرفهم عليه بالجلسة، وقولهم أنهم لم يشاهدوه بمكان الجريمة، دون تحقيق تلك الأقوال وقوفاً على صحتها ومصداقيتها.

وعول الحكم على التحريات رغم أنها لا تنهض دليلاً ضد الطاعن، وأطرح نفي الطاعن للاتهام وحيازة الأسلحة النارية وقوله بانقطاع صلته بالواقعة، ودفوعه الأخرى بمحاضر الجلسات بما لا يصلح رداً، دون أن يعن بما قدمه الطاعن من مستندات للتدليل على صحة تلك الدفوع إيراداً ورداً، ولم يدلل على القصد الجنائي في جريمة الضرب المفضي إلى الموت، والظرف المشدد فيها، واتفاق الطاعن ومشاركته فيها، أو يعن بنفي الطاعن لها أو يبين علاقة السببية بين إصابات المجني عليه ووفاته، رغم خلو الأوراق من شاهد رؤية على تلك الجريمة، وانعدام الدليل عليها، وأخيراً فقد أخطأ الحكم في تقدير العقوبة التي أوقعها على الطاعن لإعمال أحكام المادة ١٧ من قانون العقوبات على نحو غير صحيح، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

 

ومن حيث إنه يبين من الحكم المطعون فيه أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة. لما كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة مستقراً على أنه يكفي لتحقق جريمة إحراز سلاح ناري وذخيرة بغير ترخيص مجرد الحيازة المادية لهما، أياً كان الباعث على حيازتهما ولو كان الأمر عارضاً أو طارئاً، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد في بيانه لواقعة الدعوى وتحصيله لأقوال شهود الإثبات وما نقله عن التقارير الطبية ما يكفي لبيان أركان الجرائم التي دان الطاعن بها والتدليل على ثبوتها في حقه، ومن ثم فلا محل لما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الشأن .

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وأن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم.

فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وأن تناقض الشاهد أو اختلاف رواية شهود الإثبات في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصاً سائغاً لا تناقض فيه ــــ كما هو الحال في الدعوى الراهنة، كما أن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة من مراحل الدعوى ولو خالفت أقواله أمامها، وأنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها.

 

وأنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي يركن إليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه، وكان الحكم المطعون فيه قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال شهود الإثبات واقتناعه بوقوع الحادث على الصورة التي شهدوا بها، فإن ما يثيره الطاعن من منازعة حول تصوير المحكمة للواقعة أو في تصديقها لأقوال شهود الإثبات أو محاولة تجريحها ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض.

لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يطلب إلى المحكمة تحقيقاً معيناً في شأن ما ادعاه بشأن أقوال شهود الإثبات، فليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلبه منها، فإن النعي على الحكم بهذا الشأن يكون غير سديد.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن للمحكمة أن تعول على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية، وإذ كانت الأدلة والاعتبارات والقرائن التي أوردها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة التي دانه بها، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها، مما تستقل به محكمة الموضوع. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن نفي التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل رداً طالما كان الرد عليها مستفاداً من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها، وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحاً ومحدداً، وكان الطاعن لم يبين في طعنه ماهية الدفاع الذي التفت الحكم المطعون فيه عن الرد عليه، بل أرسل القول إرسالاً، مما لا يمكن معه مراقبة ما إذا كان الحكم قد تناوله بالرد أو لم يتناوله، وهل كان دفاعاً جوهرياً مما يجب على المحكمة أن تجيبه أو ترد عليه أو هو من قبيل الدفاع الموضوعي الذي لا يستلزم في الأصل رداً بل الرد عليه مستفاد من القضاء بالإدانة للأدلة التي أوردتها المحكمة في حكمها، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبولاً.

لما كان ذلك، وكانت الأدلة في المواد الجنائية إقناعية، فللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية ما دام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها المحكمة من باقي الأدلة القائمة في الدعوى، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون مقبولاً.

لما كان ذلك، كان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعن جريمة واحدة وعاقبه بالعقوبة المقررة لأشدها، فإنه لا مصلحة له فيما يثيره بشأن جريمة الضرب المفضي إلى الموت ما دامت المحكمة قد دانته بجريمة إحراز سلاح ناري مششخن (بندقية آلية) وذخيرة وأوقعت عليه عقوبتها عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات بوصفها الجريمة الأشد. لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة مدونات الحكم المطعون فيه قد أعمل الارتباط بين الجرائم المسندة إلى الطاعن، ودانه بالعقوبة المقررة لأشدها، وهي جريمة إحراز السلاح الناري ــــ على ما سلف بيانه ــــ وأوقع الحكم عليه العقوبة المقررة لتلك الجريمة، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون، مما يضحي معه النعي عليه بهذا السبب غير قويم.

لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة صورة الحكم الغيابي الصادر بتاريخ …. أن محكمة الجنايات سبق وأن قضت غيابياً بمعاقبة الطاعن بالسجن المؤبد وغرامة خمسة آلاف جنيه، وكان الحكم الحضوري المطعون فيه قد نزل بمناسبة إعادة إجراءات محاكمة الطاعن بالعقوبة المقيدة للحرية إلى السجن المشدد لمدة عشر سنوات وزاد عقوبة الغرامة إلى عشرين ألف جنيه، ومن ثم فإنه يتعين إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة ۳۹ من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ تصحيح الحكم المطعون فيه بجعل عقوبة الغرامة خمسة آلاف جنيه إلى جانب عقوبة السجن المشدد لمدة عشر سنوات المقضي بها عليه، والمصادرة، ورفض الطعن فيما عدا ذلك.

 

فلهذه الأسباب

 

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بجعل الغرامة المقضي بها خمسة آلاف جنيه ورفض الطعن فيما عدا ذلك.

أشرف زهران

صحفي مصري، حاصل على بكالريوس إعلام، ومحرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين، ومكتب النقيب،
زر الذهاب إلى الأعلى