«النقض» توضح شرط تحقق القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية

أكدت محكمة النقض في أثناء نظرها الطعن رقم ۹٥۲٦ لسنة ۹۱ ق، أنه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحةً واستقلالاً عن كل ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ويتحقق القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غُيرت الحقيقة فيه وليس أمراً لازماً التحدث صراحةً واستقلالاً في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد بقيامه

المحكمـــة

بعد الاطـلاع على الأوراق ، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر ، والمرافعة ، وبعد المداولة قانوناً :-

من حيث أنَّ الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .

 

حيث ينعي الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم الاشتراك في تزوير محرر رسمي ومحرر عرفي واستعماله مع العلم بتزويره والإخبار بأمر كاذب مع سوء قصد ، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع , ذلك بأنه لم يُبين الواقعة المستوجبة للعقوبة والأدلة التي استند اليها في قضائه بالإدانة ، ولم يستظهر عناصر الاشتراك في الجريمة ، ومدى توافر العلم بالتزوير ، وعوّل على شهادة شاهدي الإثبات وإفادة مصلحة الشهر العقاري وكتاب نقابة المحامين رغم أنها لا تفيد ارتكاب الطاعن للواقعة سيما وأنَّ الأوراق خلت من دليل فني يفيد قيام جريمة التزوير ، كما عوّل على تحريات المباحث التي لا تصلح دليلاً على الإدانة ، وأطرح بما لا يسوغ دفعه بانتفاء أركان جريمة التزوير في محررات رسمية لانتفاء صفة الورقة الرسمية عن المحررات المدَّعى تزويرها لكون ما ورد بها يأخذ حكم الإقرارات الفردية التي لا تقوم به جريمة التزوير، وأن الواقعة بفرض صحتها لا تعدو أن تكون مجرد جنحة بلاغ كاذب ، كل ذلك ممَّا يعيب الحكم ويستوجب نقضه .

 

ومن حيث أنَّ الحكم المطعون فيه قد بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية للجرائم التي دان بها الطاعن وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها معينها الصحيح من أوراق الدعوى وتؤدي إلى ما رتّبه الحكم عليها . لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ومتى كان مجموع ما أورده الحكم – كما هو الحال في الدعوى المعروضة – كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققاً لحكم القانون ، كذلك فإنَّ البين من مدونات الحكم أنه استعرض أدلة الدعوى على نحوٍ يفيد أن المحكمة محَّصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث للتعرُّف على الحقيقة ومن ثم يكون ما يرمي به الطاعن الحكم من قصور لا محل له .

 

لمَّا كان ذلك ، وكان الاشتراك في الجريمة يتم غالباً دون مظاهر خارجية أو أعمال مادية محسوسة يمكن الاستدلال بها عليه فإنه يكفي لثبوته أن تكون المحكمة قد اعتقدت حصوله من ظروف الدعوى وملابساتها وأن يكون اعتقادها سائغاً تبرره الوقائع التي أثبتها الحكم ، وكان الحكم المطعون فيه قد دلل بأسباب سائغة على ما استنتجه من اشتراك الطاعن بطريق الاتفاق والمساعدة في جريمة التزوير في المحرر الرسمي فإن هذا حسبه ليبرأ من قالة القصور في بيان عناصر الاشتراك في التزوير والتدليل عليها .

 

لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحةً واستقلالاً عن كل ركن من أركان جريمة التزوير ما دام قد أورد من الوقائع ما يدل عليه ويتحقق القصد الجنائي في جريمة التزوير في الأوراق الرسمية متى تعمد الجاني تغيير الحقيقة في المحرر مع انتواء استعماله في الغرض الذي من أجله غُيرت الحقيقة فيه وليس أمراً لازماً التحدث صراحةً واستقلالاً في الحكم عن توافر هذا الركن ما دام قد أورد من الوقائع ما يشهد بقيامه ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بأدلة سائغة توافر جريمة الاشتراك في تزوير محرر رسمي هو الجنحة رقم ….. لسنة ….. جنح قسم ……… وهو ما يتضمن إثبات توافر ركن العلم بتزوير ذلك المحرر في حق الطاعن فإن هذا حسبه ولا يكون ملزماً – من بعد – بالتدليل على استقلال على توافر القصد الجنائي لديه ويضحى ما يثيره الطاعن بشأن انتفاء علمه بتزوير المحرر موضوع الاتهام مجرد جدل موضوعي في سلطة المحكمة في تقدير الأدلة واستنباط معتقدها ممّا لا يجوز الخوض فيه لدى محكمة النقض .

 

لمَّا كان ذلك ، وكان من المقرر أنَّ الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناءً على الأدلة المطروحة عليه فله أن يكون عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها إلا إذا قيده القانون بدليل معين ينص عليه ، وكان القانون لم يجعل لإثبات جرائم التزوير طريقاً خاصاً ولا يُشترط أن تكون الأدلة التي اعتمد عليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة ، وكان الحكم المطعون فيه فيما أورده من أقوال شاهدي الإثبات وإفادة مصلحة الشهر العقاري وكتاب نقابة المحامين ما يفيد ارتكاب الطاعن ما أُسند إليه فإن منعى الطاعن من إدانته باشتراكه في تزوير محرر رسمي وتزوير محرر عرفي رغم خلو الأوراق من دليل فني ينحل إلى جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها منها وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لمَّا كان ذلك، وكان للمحكمة أن تُعوِّل في عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة مادام أنها اطمأنت لجديتها فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً .

لمَّا كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بما ساقه من أدلة الثبوت السائغة أن الطاعن اشترك مع آخر مجهول في تزوير محرر عرفي هو إيصال الأمانة سند الدعوى والذي أثبت به على غير الحقيقة أن ………………تسلم من ………………مبلغ مالي على سبيل الأمانة وذيّل على ذلك الإيصال بتوقيع عزاه زوراً إلى المستلم ثم استغل وجود وكالة قانونية ملغاه صادرة لصالحه وتقدم دون طلب منه بشكاية قُيدت جنحة برقم ….. لسنة ….. – جنح قسم ……… – وقام بمعرفة موظف عمومي – حَسَن النية – “أمين شرطة قسم شرطة ………” بتحرير محضر تلك الجنحة .

لمَّا كان ذلك ، وكان مناط رسمية الورقة هو أن يكون محررها موظفاً عمومياً مكلفاً بتحريرها بمقتضى وظيفته وقد قنَّن المشرع هذه القاعدة القانونية في المادة العاشرة من قانون الإثبات الصادر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹٦٨ مُعرِف الورقة الرسمية بأنها هي التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقاً للأوضاع القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه ومفاد ذلك أن المحرر الرسمي بالنسبة لجريمة التزوير يعتبر رسمياً في جميع أجزائه وتكتَسب بياناته جميعها الصفة الرسمية سواء ما أثبتها الموظف في المحرر ونسبها إلى نفسه باعتبارها أنها حُصلت منه أو وقعت بين يديه أو ما تلقاه الموظف من ذوي الشأن من بيانات وتقريرات في شأن التصرف القانوني الذي تشهد به الورقة ذلك بأن صفة المحرر تختلف عن حجية في الإثبات ، وكان تغيير الحقيقة بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع العلم بتزويرها هي إحدى صور التزوير المؤثمة بمقتضى المادة ۲۱۳ من قانون العقوبات.

ومن ثم فإن ما أُثبت بمحضر الشرطة من بيانات أدلى بها الطاعن على خلاف الحقيقة أمام الموظف المختص بتحريرها – أمين الشرطة – تتوافر به أركان جريمة الاشتراك في تزوير محرر رسمي كما هي معرفة في القانون وكان الحكم المطعون فيه في سياق تدليله على ثبوت الجرائم التي دان الطاعن بها قد التزم هذه القواعد وأطرح دفاع الطاعن في هذا الشأن فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقاً صحيحاً على واقعة الدعوى ولا يُغير من ذلك أن يكون ما ارتكبه الطاعن ينطوي على وصف قانوني لجريمة أخرى كالبلاغ الكاذب إذ ذلك لا يعدو أن يكون تعدداً معنوياً لأوصاف قانونية لفعل إجرامي واحد لأنه في الحالة التي يكون للفعل عدة أوصاف يجب اعتبار الجريمة التي يتمخَّض عنها الوصف أو التكييف القانون الأشد للفعل والحكم بعقوبتها وحدها دون غيرها من الجرائم التي تتمخَّض عنها الأوصاف الأخف.

ومن ثم فإن النعي على الحكم المطعون فيه بأن الواقعة لا تعدو أن تكون من قبيل الإقرارات الفردية التي لا تقوم بها جريمة التزوير في أوراق رسمية أو أنها مجرد جنحة بلاغ كاذب لا يعدو أن يكون منازعة في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير مُعقِّب ما دام قضاؤها فى ذلك سليماً – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – ولا يجوز مجادلتها في ذلك أمام محكمة النقض .

لمَّا كان ما تقدَّم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

 

فلهـــذه الأسبــــــــــاب

حكمت المحكمة: ـــ

بقبـول الـطعن شكـلاً , وفي الـموضوع برفضـه .

زر الذهاب إلى الأعلى