«النقض» توضح الوقائع التي يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعي

أكدت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم ۹۹۸۲ لسنة ۹۱ قضائية، جلسة ۲۸ / ۲ / ۲۰۲۳ – دائرة الاثنين (ج)، أن تقدير الوقائع التي يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعي أو انتفاؤها متعلق بموضوع الدعوى، ولمحكمة الموضوع الفصل فيه بلا معقب متى كانت الوقائع مؤدية إلى النتيجة التي رتبه عليه – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإن منعى الطاعن على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله .

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانوناً.

حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .حيث إن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي الضرب المفضي إلى الموت وإحراز سلاح أبيض بغير مسوغ قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والاخلال بحق الدفاع ، ذلك بأن حُررت أسبابه بصورة مجملة مبهمة خلت من بيان واقعة الدعوى وأدلة الإدانة فيها مما ينبئ عن عدم المام المحكمة بها إلماماً شاملاً ، واطرح بغير مسوغ دفوعه بإنتفاء أركان الجريمتين المسندتين إليه ، ونية القتل في حقه.

وعدم جدية تحريات الشرطة وانعدامهما ومكتبيتها وتلفيقها من جانب محررها لشواهد عددها ، وبتوافر حالة الدفاع الشرعي عن النفس في حقه بدلالة أن السلاح خاص بالمجني عليه وكان بحوزته وقت الواقعة ، وبقصور تحقيقات النيابة العامة لعدم استدعائها للطبيب المعالج للمجني عليه وسؤاله عن معلوماته.

كما عول على أقوال ضابط الواقعة رغم كذبها ، وعلى اقراره بمحضر الضبط رغم بطلانه ودون أن يحفل الحكم بالرد على دفعه به ، ودانه رغم خلو الأوراق من شاهد رؤية أو كاميرات مراقبة لرصد الواقعة ، ولم تجر المحكمة تحقيقاً في خصوص بعض أوجه دفاعه ، ولم يفطن الحكم لإنكاره الاتهام ودلالته في نفي الاتهام عنه . مما يعيبه بما يستوجب نقضه.

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمتي الضرب المفضي إلى الموت وإحراز سلاح أبيض بغير مسوغ ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها مستمدة من أقوال شاهدي الإثبات وما ثبت من تقرير الطب الشرعي الخاص بالمجني عليه. وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة وهو الحال في الدعوى الماثلة ، فإن ذلك يكون محققاً لحكم القانون ، ومن ثم فإن منعى الطاعن في هذا الشأن يكون ولا محل له .

لما كان ذلك ، وكانت جرائم الجروح عمداً ومنها جريمة الضرب المفضي إلى الوفاة لا تتطلب غير القصد الجنائي العام ، وهو يتوافر كلما ارتكب الجاني الفعل عن إرادة وعن علم بأن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة جسم المجني عليه أو صحته، ولما كانت المحكمة لا تلتزم بأن تتحدث استقلالاً عن القصد الجنائي في هذه الجرائم بل يكفي أن يكون هذا القصد مستفاداً من وقائع الدعوى كما أوردها الحكم ، وهو ما تحقق في واقعة الدعوى ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً لا يقبل منه أمام محكمة النقض.

لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى إدانة الطاعن بجريمة الضرب المفضي إلى الموت فلا مصلحة له في النعي عليه قصوره في استظهار نية القتل في حقه لكونه غير متعلق بالحكم .

لما كان ذلك ، وكان للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة بإعتبارها معززة لما ساقته من أدلة مادامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث . هذا فضلاً عن أن الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع بعدم جدية التحريات ورد عليه برد سائغ ، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الصدد يكون لا سند له .

لما كان ذلك ، وكان الحكم قد عرض للدفع بقيام حالة الدفاع الشرعي وأطرحه استناداً لعدم تناسب رد الاعتداء على المجني عليه إذ بادره الطاعن بطعنه بسلاح أبيض في حين أن الأخير كان أعزل ولم تكن تلك الوسيلة أنسب الوسائل لرد الاعتداء الواقع عليه منه.

وهو من الحكم رد سائغ يؤدى إلى ما انتهت إليه المحكمة ويتفق وصحيح القانون ، ذلك أن حالة الدفاع الشرعي لا تتوافر متى أثبت الحكم أن المتهم هو الذى اعتدى على المجني عليه ، وإذ كان من المقرر أن تقدير الوقائع التي يستنتج منها قيام حالة الدفاع الشرعي أو انتفاؤها متعلق بموضوع الدعوى ، ولمحكمة الموضوع الفصل فيه بلا معقب متى كانت الوقائع مؤدية إلى النتيجة التي رتبه عليه – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإن منعى الطاعن على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله .

لما كان ذلك ، وكان البين من الاطلاع على محضر جلسة المرافعة الأخيرة أن الدفاع عن الطاعن اقتصر على القول بقصور تحقيقات النيابة في عبارة عامة مرسلة لا تشتمل على بيان مقصده منها ، ودون أن يطلب إلى المحكمة اتخاذ إجراء معين في هذا الشأن أو استدعاء الطبيب المعالج للمجني عليه لسؤاله ، فإن النعي على الحكم إغفال الرد على هذا الدفاع يكون غير قويم ، هذا فضلاً عن أن ما أثاره الدفاع فيما سلف لا يعدو أن يكون تعييباً للتحقيق الذى جرى في المرحلة السابقة على المحاكمة لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم ، إذ من المقرر أن التحقيق الذى تجريه النيابة العامة لا تأثير له على سلامة الحكم ، والأصل أن العبرة عند المحاكمة هي بالتحقيق الذى تجريه المحكمة بنفسها ، وما دام لم يطلب الدفاع استكمال ما قد يكون بالتحقيقات الابتدائية من نقص أو عيب ، فليس له أن يتخذ من ذلك سبباً لمنعاه .

لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق ، وكان وزن أقوال الشاهد وتقدير الظروف التي يؤدى فيها شهادته وتعويل القضاء على أقواله مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من شبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذى تطمئن إليه بغير معقب .

وإذ كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال المجني عليه وضابط الواقعة – شاهد الإثبات – فإن كل ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص إنما ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها أو مصادرة عقديتها في شأنه أمام محكمة النقض .

لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول في إدانة الطاعن على إقراره لمجري التحريات بإحرازه للسلاح الأبيض المستخدم في الواقعة أو ملكيته له ولم يشر إليه في مدوناته، فإن النعي على الحكم لعدم الرد على هذا الدفاع يكون غير صحيح .

لما كان ذلك ، وكان القانون لا يشترط لثبوت جريمة الضرب المفضي إلى الموت ، ومعاقبة مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة من كل ما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها ، ومن ثم يضحي منعى الطاعن في هذا الصدد على غير سند . لما كان ذلك ، وكان الثابت من مطالعة محضر جلسة المحاكمة – التي جرت فيها المرافعة – أن الطاعن لم يطلب إلى المحكمة إجراء أي تحقيق في الدعوى ، فلا يصح له – من بعد – النعي على المحكمة قعودها عن القيام بإجراء لم يطلب منها ولم تر هي حاجة لإجرائه ، فإن منعاه على الحكم في هذا الخصوص لا يكون له محل .

لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعن في شأن إطراح الحكم لإنكاره الاتهام المسند إليه مردوداً بأن نفي التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل رداً طالما كان الرد عليها مستفاداً من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم وبضحي منعاه غير سديد . لما كان ما تقدم – فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه .

أمين السر نائب رئيس المحكمة

عبدالعال فتحي

صحفي بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين؛ عمل في العديد من إصدارات الصحف والمواقع المصرية، عمل بالملف السياسي لأكثر من عامين، عمل كمندوب صحفي لدى وزارتي النقل والصحة، عمل بمدينة الإنتاج الإعلامي كمعد للبرامج التلفزيونية.
زر الذهاب إلى الأعلى