اللغة القانونية ومفرداتها

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

 

بادئ ذي بدء، أود التنويه إلى أن ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو أنني في العام 2006م، أرسلت بحثاً للنشر في إحدى الدوريات المحكمة. وبعد قيام هيئة التحرير بإرسال البحث إلى المحكمين، جاءت تقاريرهم مؤكدة أنه ينطوي على خطأ لغوي، يتمثل في استخدام مصطلح «الكيوف الجنائية». ورغم عدم قناعتي بوجود الخطأ المزعوم، لم يكن أمامي سوى الرضوخ لرأي المحكمين، وقمت فعلاً باستبدال تعبير «الأوصاف الجنائية» باصطلاح «الكيوف الجنائية». ولكن في الوقت ذاته، تولدت لدي في حينه فكرة كتابة المقال الذي نحن بصدده، والذي يتناول «اللغة القانونية ومفرداتها»، وبيان العلاقة بينها وبين مفردات اللغة العادية.

 

والواقع أن العلاقة بين اللغة القانونية واللغة العادية تأخذ صورا متعددة؛ فقد يتطابق المدلول اللغوي مع المدلول الاصطلاحي القانوني. فعلى سبيل المثال، تؤكد محكمة النقض المصرية أن «المراد بالسب في أصل اللغة الشتم سواء بإطلاق اللفظ الصريح الدال عليه أو باستعمال المعاريض التي تؤدي إليه، وهو المعنى الملحوظ في اصطلاح القانون الذي اعتبر السب كل الصاق لعيب أو تعبير يحط من قدر الشخص عند نفسه أو يخدش سمعته لدى غيره» (راجع على سبيل المثال: حكم النقض المصري، 17 فبراير سنة 1975م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 26، رقم 30، ص 175).

 

وقد يكون المصطلح القانوني أوسع مدلولاً منه في اللغة. فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بتعريف لفظ «الشركة»، ورد في معجم المعاني الجامع أن مصطلح «الشركة» يعني «الخلطة»، أي «خلط الأملاك العائدة لأشخاص متعددين، ثم أطلق اسم الشركة على العقد وأن لم يوجد اختلاط». ويشير المعجم إلى المدلول القانوني لمصطلح «الشركة» بأنه «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يُساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما ينشأ عنه من ربح أو خسارة». أما مصطلح «الشَّرِكةُ» في علم الاقتصاد، فهو «عقد بين اثنين أو أكثر للقيام بعمل مشترك، أو مؤسّسة تجاريّة يشارك أصحابها في توظيفات ماليّة بغية اقتسام الأرباح النّاتجة منها مجلس إدارة الشركة». والواقع أن الشركة لغة لفظ مشتق من الاشتراك، والاشتراك لا يكون سوى بين شخصين أو أكثر. ولكن، أدى التطور التشريعي الحاصل مؤخراً إلى ظهور ما أطلق عليه شركات الشخص الواحد، بما يستتبع اتساع معنى الشركة في الاصطلاح القانوني عنه في المدلول اللغوي.

 

وبالعكس، قد يكون المصطلح القانوني أضيق مدلولاً منه في اللغة، كما هو الحال بالنسبة للفظ «التزوير» الذي يأخذ في القانون مدلولاً أضيق منه في اللغة (راجع في بيان ذلك: مقالنا عن التزوير في صورة المحرر، مجلة العدالة، تصدر عن وزارة العدل بدولة الإمارات العربية المتحدة، س 33، العدد 125، يناير 2006م، ص 13 وما بعدها).

 

وقد يكون للمصطلح القانوني مدلول مغاير للمعنى اللغوي. ويضرب الفقه مثالاً لذلك بالمصطلح القانوني «عين»، ومعناه العقار.

 

وأخيرا، قد يعرف القانون بعض المصطلحات التي لا وجود لها على الإطلاق في اللغة (راجع في صور العلاقة بين اللغة القانونية واللغة العادية: مؤلفنا عن استيقاف الأشخاص في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006م، ص 21).

 

ومن الألفاظ القانونية التي ابتدعها الفكر القانوني والقضائي، والتي قد لا يكون لها نظير في اللغة، نذكر اصطلاح «الكيوف الجنائية». وينسب ظهور هذا المصطلح إلى محكمة النقض المصرية، والتي استخدمته في العديد من أحكامها. فعلى سبيل المثال، قضت المحكمة الكائنة على قمة القضاء العادي في مصر بأن «الأصل أن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الواقعة المسندة إلى المتهم وأن واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها على جميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها القانون تطبيقا صحيحا» (نقض 15 مايو سنة 1978م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 29، رقم 95، ص 516؛ نقض 21 مارس سنة 1977م، س 28، رقم 79، ص 366).

 

وفي حكم آخر، قضت المحكمة بأن «من المقرر أن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم وأن من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا، ذلك أنها وهي تفصل في الدعوى لا تتقيد بالواقعة في نطاقها الضيق المرسوم في وصف التهمة المحالة عليها بل أنها مطالبة بالنظر في الواقعة الجنائية التي رفعت بها الدعوى على حقيقتها كما تتبينها من الأوراق ومن التحقيق الذي تجريه بالجلسة. وأن ما تلتزم به في هذا النطاق هو ألا يعاقب المتهم عن واقعة غير التي رودت بأمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور» (نقض 20 فبراير سنة 1982م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 33، رقم 29، ص 244).

 

وفي حكم ثالث، تقول المحكمة إن «الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم بل هي مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا دون حاجة إلى أن تلفت نظر الدفاع إلى ذلك، ما دام أن الواقعة المادية المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة بالجلسة هي بذاتها التي اتخذها الحكم أساسا للوصف الذي دان المتهم به دون أن تضيف إليها المحكمة شيئاً» (نقض 16 مايو سنة 1977م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 28، رقم 128، ص 604).

 

وفي حكم رابع، تقول محكمة النقض أن «المحكمة مكلفة بأن تمحص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا ولو كان الوصف الصحيح هو الأشد ما دامت الواقعة المرفوعة بها الدعوى لم تتغير وليس عليها في ذلك إلا مراعاة الضمانات التي نصت عليها المادة 308 أ. ج» (نقض 6 أبريل سنة 1982م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 33، رقم 93، ص 461).

 

وفي حكم خامس، تقول المحكمة «من المقرر أن محكمة الموضوع لا تتقيد بالوصف الذي تسبغه النيابة العامة للفعل المسند إلى المتهم بل من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا، ذلك أنها وهي تفصل في الدعوى غير مقيدة بالواقعة في نطاقها الضيق المرسوم في وصف التهمة المحالة عليها بل أنها مطالبة بالنظر في الواقعة الجنائية على حقيقتها كما تتبين من عناصرها المطروحة عليها ومن التحقيق الذي تجريه بالجلسة، وكل ما تلتزم به هو ألا تعاقب المتهم عن واقعة غير التي وردت في أمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور» (نقض 25 مارس سنة 1973م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 24، رقم 83، ص 393؛ نقض 6 فبراير سنة 1972م، س 23، رقم 32، ص 117؛ نقض 17 يونيو سنة 1968م، س 19، رقم 146، ص 721).

 

وفي حكم سادس، قضت المحكمة بأن «من المقرر أن محكمة الموضوع مكلفة بأن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق نصوص القانون تطبيقا صحيحا على الوقائع الثابتة في الدعوى ما دامت لم تخرج عن حدود الواقعة المرفوعة بها الدعوى أصلاً» (نقض 8 يناير سنة 1973م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 24، رقم 15، ص 61).

 

وفي حكم سابع، قضت محكمة النقض بأن «محكمة الموضوع ملزمة بأن تمحص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وصولا إلى إنزال حكم القانون صحيحا عليها دون أن تتقيد بالوصف القانوني الذي أسبغته النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم» (نقض 6 فبراير سنة 1982م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 33، رقم 31، ص 155).

 

وقضت بأن «المحكمة مكلفة بأن تمحص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا، ولو كان الوصف الصحيح هو الأشد ما دامت الواقعة المرفوعة بها الدعوى لم تتغير» (نقض 17 أكتوبر سنة 1966م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 17، رقم 181، ص 977).

 

وقد قصدت من وراء ذكر الأحكام القضائية آنفة الذكر – رغم كثرتها وأنها تدور جميعاً في المعنى ذاته – التأكيد على أن الأمر لا يتعلق بحالة فردية أو استخدام شاذ قامت به إحدى دوائر المحكمة، وإنما يتعلق الحال باستخدام متكرر متواتر، وعلى مدى أجيال عديدة ومتعاقبة من قضاة محكمة النقض المصرية.

 

وقد ورد مصطلح «الكيوف الجنائية» أيضا في بعض أحكام المحكمة الاتحادية العليا لدولة الإمارات العربية المتحدة. فعلى سبيل المثال، تقول المحكمة – في أحد أحكامها – أنه «لما كان من الأصول المقررة في الإجراءات الجزائية – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن محكمة الموضوع يستوي في ذلك أن تكون محكمة أول درجة أو محكمة ثاني درجة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم إذ من واجبها أن تمحص الواقعة المطروحة عليها بجميع أوصافها وكيوفها وأن تطبق عليها نص القانون تطبيقاً صحيحاً دون حاجة إلى أن تلفت نظر الدفاع إلى ذلك ما دام أن الواقعة المادية المبينة بتقرير الاتهام والتي كانت مطروحة بجلسة المحاكمة هي بذاتها التي اتخذها الحكم أساساً للوصف الذي دان المتهم به دون أن تضيف إليها المحكمة شيئا» (حكم المحكمة الاتحادية العليا، 4 يناير سنة 1988م، الطعنان رقما 30 و33 لسنة 9 القضائية، مجموعة الأحكام، س 10، رقم 7، ص 60).

 

كذلك، ورد مصطلح «الكيوف الجنائية» في مؤلفات بعض كبار فقهاء القانون الجنائي (راجع على سبيل المثال: أستاذنا الدكتور أحمد فتحي سرور، دور محكمة النقض في توحيد كلمة القانون، منشور في شبكة الانترنت على الموقع التالي: (www.tashreaat.com)؛ د. محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، دار الجامعة الجديدة للنشر بالإسكندرية، 2008م، رقم 378، ص 696؛ د. سليمان عبد المنعم، دروس في القانون الجنائي الدولي، دار الجامعة الجديدة للنشر بالإسكندرية، 2000م، ص 125).

 

واللفظ «كيوف» جمع «تكييف»، أي الوصف الإجرامي. فالوصف الإجرامي للوقائع المقامة بها الدعوى هو تكييفها القانوني. والتكييف القانوني للوقائع هو عبارة عن العلاقة بين تلك الوقائع وبين قانون العقوبات، بمنح الوقائع اسما قانونيا لجريمة، وينطوي منح هذا الاسم في القانون الجنائي على نتيجة ملازمة، هي تطبيق العقوبة المنصوص عليها لتلك الجريمة. فالوصف القانوني للوقائع بهذا المعنى هو عصب الحكم القضائي، وتتوقف صحة هذا الوصف على التحديد المنضبط للعلاقة التي تربط الوقائع بقانون العقوبات (د. محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، المرجع السابق، رقم 378، ص 696).

 

وإذا كان السبب الدافع وراء كتابة هذا المقال شخصياً، ويتمثل في الواقعة سالفة الذكر في مقدمة المقال، فإن الهدف من نشره موضوعي بحت. فالمرجو من هذا المقال هو لفت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بالاصطلاح القانوني، من حيث نشأته وتطوره وبيان مدلوله على نحو دقيق، وبيان الألفاظ أو المصطلحات المرادفة له أو التي تقترب منه في معناه أو في أثره. ونعتقد أن ذلك يمكن أن يشكل فرعاً جديداً من فروع علم القانون، يطلق عليه علم الاصطلاح القانوني. ولا شك ان ذلك يشكل نقطة البداية نحو صدور قاموس أو معجم قانوني عربي متخصص، لعله يكون معينا للمشتغلين بعلم القانون، وللقائمين بالترجمة القانونية، لاسيما وأن هذه الطائفة الأخيرة قد لا تتوافر لها المعرفة الواسعة بالمصطلحات القانونية، ويكونون عادة من الحاصلين على مؤهل دراسي في إحدى اللغات الأجنبية، ثم يحصلون بعد ذلك على دورة متخصصة في المصطلحات القانونية لا تتجاوز مدتها بضعة أشهر.

 

تعليقات الأصدقاء

 

        تم نشر هذا المقال في مجلة الميزان، تصدر عن وزارة العدل بدولة الإمارات العربية المتحدة، السنة العاشرة، العدد 116، يوليو – أغسطس 2009م، ص 20 وما بعدها، كما تم نشره على صفحتي الشخصية بموقع كنانة أونلاين.

 

وعلى إثر نشر المقال، وردت لي بعض التعليقات التي أرى من الملائم نشرها، تعميماً للفائدة. ففي يوم السبت الموافق الثاني من شهر مارس 2024م، وفي منشور على موقع التواصل المهني لينكدن، يقول المستشار الدكتور عبد العزيز الخالد، المدير بإدارة الفتوى بوزارة العدل في دولة الإمارات العربية المتحدة سابقاً: «إن هذا الاستعمال من المحاكم لم يكن ببعيد عن لسان اللغة وإن قل استعماله، فالتحليل الصرفي لعبارة (كيوف) هي مفرد مذكر لصيغة مبالغة على وزن فعول (كيوف) في حال يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، والمشتق من الفعل (كاف) والذي جذره (كيف)».

 

أما الأستاذ الدكتور هاشم الشنبري، الفقيه الشرعي والقانوني السعودي، وفي رسالة شخصية وردت لي عبر موقع التواصل الاجتماعي «الواتس آب»، فقد ذكر أن «تكييف مصدر للفعل كَيَّفَ. والتكييف هو لفظ حادث باصطلاح خاص (نعني به القانونيين) في مقابلة لفظ جار عند الفقهاء، هو لفظ التوصيف والتخريج. ولفظ: التكييف، كان فيما مضى يعني السؤال بكيف؟ في باب الأسماء والصفات، فنهي عن ذلك وجرى الكلام في باب الاعتقاد عند السلف الصالح بالإيمان بالأسماء والصفات بلا تكييف ولا تمثيل. ولكونه لفظاً توسع فيه من باب القياس لسعة اللغة فلا يتشدد فيه لجريانه على لسان الفقهاء المعاصرين بمثل جريانه على لسان القانونيين. وقد استدل الفقيه المذكور على ما ورد في تاج العروس، الجزء الرابع والعشرين، الصفحة 352 أنه: (وقول المتكلمين) في اشتقاق الفعل من كيف: (كيفته، فتكيف) فإنه (قياس لا سماع فيه) من العرب، ونص اللحياني: فأما قولهم: كيف الشيء فكلام مولد. قلت: فعني بالقياس هنا التوليد/ قال شيخنا: أو أنها مولدة، ولكن أجروها على قياس كلام العرب. قلت: وفيه تأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى