العلاقة الجدلية بين برامج الذكاء الاصطناعي وآلاته وعلوم القانون وصناعاته [2]

العلاقة الجدلية بين برامج الذكاء الاصطناعي وآلاته وعلوم القانون وصناعاته [2]

الذكاء الاصطناعي.. بقلم الدكتور : محمد عبد الكريم أحمد الحسيني – أستاذ القانون المساعد بكلية الشريعة القانون IUM والمحامي

 

انجلت سنة (2022م) في آخر شهرين منها -على وجه التحديد في شهر نوفمبر- عن مشهد مهيب لن ينسى على المستوى العالمي بعامة وعلى المستوى القانوني بخاصة، بظهور الروبوت ( (ChatGPT من أوبن إيه آي (OpenAI)، بما أذن في فتح الباب واسعا في مطلع العام (2023م) – وها نحن ذا لا زلنا في منتصف شهره الثاني- على مزاحمة الآلات الذكية وروبوتات الذكاء الاصطناعيArtificial) intelligence‏) لقطاعات عريضة من الوظائف والمهن المستقرة منذ قديم الزمان.

 

وإنه لمن المثير حقا أن يأتي على رأس تلك الوظائف الصناعات القانونية العتيدة والمهن القانونية الممتدة على مدار العصور…!!!

وهذا ما يثير بالضرورة إشكالات عديدة ويطرح تساؤلات عميقة بالنسبة إلى فقهاء القانون وعلمائه ورجالاته وكوادره وكافة المنتسبين إلى القطاع القانوني -في مفهومه الواسع- وهو ما يعيدنا تارة أخرى إلى ذلكم التساؤل المحوري السابق في المقال الأول وإلى وفروعه المتمثلة في:

  1. لماذا يستهدف الذكاء الاصطناعي القانون ووظائفه المهنية على كافة مستوياتها ؟!!
  2. لماذا لم يلبث ظهور الذكاء الاصطناعي مشخصا في الروبوت ( (ChatGPT حتى وثب على الصناعات القانونية المستقرة العتيدة؟!!
  3. ما السر وراء هذا الولع الآلي ممثلا في آلات وروبوتات برامج الذكاء الاصطناعي بالقانون في علومه وفنونه وبالقانونيين في مهنهم ووظائفهم على وجه الخصوص ؟!!

وها نحن -أولاء- نستأنف حديثنا في هذا المقال الثاني في ترسيم الصورة العامة نحو برامج الذكاء الاصطناعي لتعرف مفاصله وفواصله من خلال رؤية قانونية شمولية وللإجابة عن تساؤلات سبقت وأخرى لا تزال قيد الطرح وثالثة سوف تفرض نفسها.

 

كلمة السر في هجوم الذكاء الاصطناعي على القانون

ويمكن لنا أن نبتدر مقالنا مباشرة بتكشيف كلمة السر حول استتباع الآلات الذكية وروبوتات الذكاء الاصطناعي للقانون القانونيين وحل لغز مطاردة المبرمجين للقانون في نظامه وتنظيماته وممارساته على وجه الخصوص .

فنقول إن كلمة السر تكمن في عنصرين أو عاملين رئيسين :

أولهما: النظام القانوني العام

ويعبر عنه النسق القانوني العام وهو تلك الشبكة القانونية التي تحيط بالقانون مفهوما وعلما وفنا وممارسة ومخرجات وصيانة..

ثانيا: التنظيمات القانونية النسقية

حيث الاتصال النسقي المحكم في “التشريعات القانونية” أو “التقنينات” وهي بنسقها العام والتئامها على نحو تناظري محكم تعبر بجدارة عن “مفهوم التنظيمات” ذلك المفهوم الرئيس التالي على مفهوم “النظام” والسابق على مفهوم “الممارسة”، وهي تلك الثلاثية المفاهيمية الرئيسة التي تعبر عن الشبكة القانونية العامة وعن نسقها ونموذجها القياسي وفقا لنظريتنا في المنطق القانوني العام.

 

وللتقريب العملي المباشرة بعيدا عن التأصيلات العميقة يمكننا أن القول بأن الإجابة عن كافة التساؤلات السابقة يكمن في هذين العاملين:

العامل الأول: المنطق القانوني العام على وجه الخصوص .

العامل الثاني: اللغة القانونية النظامية.

فالمنطق هو النظام العام الذي يسير عليه القانون، وهو في نفس الوقت المدخل الأولي والأساسي لدى المبرمجين في توجيه آلاتهم الذكية وفي برمجة روبوتات الذكاء الاصطناعي.

أما عن اللغة وهي “اللغة القانونية” أو “اللغة الموضوعية” أو “اللغة الفنية” فهي الأداة الرئيسة التي يستطلبها أي نظام حاسوبي أو ذكاء اصطناعي، وهي وإن كانت:

لغة برمجية خاصة (شات جي بي تي  (ChatGPT-‏ إذ إنه مبنيّ على عائلة جي بي تي-3 الخاصة بأوبن إي آي  (OpenAI)لنماذج اللغات الكبيرة وضُبط بدقة وهي (إحدى طرق نقل التعلم باستخدام تقنيات التعلم المراقب والتعليم المدعوم.)

إلا أنها:

تتلاقي مع اللغات القانونية في كافة المعطيات الفنية والتواصلية من حيث المعالجات والمخرجات، إذ إنها لغة فنية ممنطقة بالضرورة تعبر عن منطقها اللغوي الموضوعي وعن نسقها القانوني العام من خلال مجموع خصائصها وعديد سماتها المميزة لها عن غيرها.

وللغة مكانة جد خاصة في عمليات التعليم للآلة وعمليات برمجتها وفي عمليات المعالجة وفي مرحلة المخرجات، وما هذا عن اللغة بجديد إذ إنها صورة الفكر القانوني ووعاؤه وخازنة معانيه ووعاء قواعده ووسيلته للاتصال بالمكلفين خطابا واقتضاء وفعلا وكفا وانصياعا للقانون.

ثم إنها بالضرورة :

1- شكل ووعاء التقنينات، فلا ينفك عنها ولا يتصور أن تنفك التقنينات عنه وإلا كانت مجرد معان في نفوس ذويها.

2-أداة الممارسة القانونية على كافة المستويات

سواء في:

أ- شكلها الخطي (الكتابي) .

ب-شكلها اللفظي ( الشفاهي)

وبما أن اللغة هي الوجه الثاني للفكري البشري وهي صورته وشكله كما يذهب العلماء فقد كانت هي أداتهم لتعليم تلك الآلة وبرمجتها وتدريبها وتغذيتها حيث ” دربت الشركة-أوبن ايه آي- ذلك النموذج باستخدام كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر العامة، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، بحيث يستطيع أن ينتج نصوصا أشبه بالنصوص البشرية من خلال تعلم خوارزميات تقوم بتحليل عدد هائل من البيانات، ويعمل بصورة تشبه الدماغ البشري”  [ BBC يناير/ كانون الثاني 2023م ]

 

ولسوف نأتي تفصيلا على دور هذين العاملين الرئيسين -باعتبارهما عصب التشريعات وجوهر التقنينات في عالم الذكاء الاصطناعي – في برمجة وتطوير برامج الذكاء الاصطناعي لمحاكاة العلم القانوني ومماثلة عقول كوادره وممارسة صناعاته العليا والدنيا.

 

وقبل الولوج مباشرة في تفصيل ما سبق ذكره يمكننا تقرير الآتي:

1- طبيعة العلوم القانونية تسمح بتدخل الذكاء الاصطناعي وتوغل الآلات الذكية والروبوتات الاصطناعية إليها.

2- انتظام الفلسفة القانونية ومقولات القانون العليا ونظامه وتنظيماته وممارساته تحت منطق عام نسميه “بالمنطق القانوني العام” يسمح باقتحام آلات الذكاء الاصطناعي وروبوتاته إلى ذلك الحقل المنطقي .

3- اتساق التنظيمات القانونية ممثلة في النصوص التشريعية المتسقة يغري باستلاب صناعتها وتطبيقها من قبل آلات وروبوتات الذكاء الاصطناعي.

4-اتصال التنفيذ القانوني مباشرة بالنصوص والأحكام والسابقات القضائية ومبادئ الشرعية والمشروعية وغيرها من المبادئ الحاكمة هي من مغريات سطو الذكاء الاصطناعي عليها علوما ونصوصا وممارسات .

 

أما عن تفسير ذلك تفصيلا فلنبدأ به في المقال القادم بإذن الله تعالى .

 المركز الإعلامي لنقابة المحامين

زر الذهاب إلى الأعلى