
الصلح صنو البراءة
الدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
العفو – على حد قول البعض – ضرورة إنسانية (راجع: الشيخ عبد العزيز النجار، العفو ضرورة إنسانية، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، الثلاثاء 14 من رجب 1435هــ الموافق 13 مايو 2014م، السنة 138، العدد 46544). وفي الآية الرابعة والثلاثين بعد المائة من سورة آل عمران، يمتدح المولى عز وجل العافين عن الناس، بقوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين. وعَنْ أمير المؤمنين عَلِيٍّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلاَقِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعْطِى مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ).
وقد أفسحت التشريعات الجنائية الإجرائية مؤخراً مكاناً للصلح، في طائفة معينة من الجرائم. فبالإضافة إلى «العدالة الجنائية العقابية»، والتي يتوقف فيها تحقيق العدالة على صدور حكم قضائي بالإدانة أو بالبراءة بعد محاكمة عادلة للمتهم بارتكاب الجريمة، يتحدث الفقه الجنائي الحديث عما أسماه «العدالة الجنائية التفاوضية» أو «التسوية الجنائية»، وذلك من خلال التفاوض بين النيابة العامة والمتهم الرضائية، والذي يعد نوعاً من التصالح بين النيابة العامة والمتهم، ويتم باقتراح يقدم من النيابة العامة لدى المتهم في بعض الجنح والمخالفات التي يقر بارتكابها، بفرض تدبير أو أكثر عليه، ومنها الغرامة وبعض التدابير التي تعد بمثابة عقوبات تكميلية والتعويض يقبلها المتهم، ثم يعرض على رئيس المحكمة الجزئية للتصديق عليه، وينفذها المتهم. ويجوز لرئيس المحكمة قبل التصديق على اقتراح النيابة العامة أن يعقد جلسة يسمع فيها كلاً من المتهم والمجني عليه.
وفضلاً عن «العدالة الجنائية العقابية» و«العدالة الجنائية التفاوضية»، يتحدث الفقه الجنائي المعاصر عما أسماه «العدالة الجنائية الرضائية»، حيث تتحقق فيها العدالة دون حاجة إلى صدور حكم قضائي، بطريق التراضي والتصالح مع السلطات العامة أو الصلح بين الجاني والمجني عليه.
وينقسم الصلح الجنائي بمعناه الواسع إلى نوعين: أولهما، التصالح، ويكون بين المتهم والنيابة العامة أو بين المتهم وبين الجهة الحكومية التي تم تحريك الدعوى الجنائية بناء على طلب منها. والنوع الآخر يسمى الصلح، ويكون بين المتهم والمجني عليه. ورغم اختلاف النوعين في الاسم أو المصطلح المستخدم، لكنهما يرتدان إلى أصل واحد، هو الصلح الجنائي أياً كان أطرافه. ومنظوراً للأمور على هذا النحو، يجب ألا يغيب عن الذهن أن استخدام مصطلح «الصلح الجنائي» في عنوان هذه الدراسة يراد به المعنى الواسع لهذا اللفظ، والذي يشمل كلاً من «الصلح» بمعناه الضيق و«التصالح».
وقد استحدث المشرع المصري نظام الصلح في الجرائم، شاملاً كلاً من «الصلح» بمعناه الضيق و«التصالح»، وذلك بموجب القانون رقم 174 لسنة 1998م بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات، والذي أضاف مادتين جديدتين إلى قانون الإجراءات الجنائية، وهما المادة الثامنة عشرة مكرر والمادة الثامنة عشرة مكرراً/ أ. وبموجب القرار بقانون رقم 16 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، تمت إضافة مادة جديدة لقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، برقم 18 مكرراً (ب)، وبحيث غداً جائزاً التصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وهي جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر. وفي الثاني عشر من شهر نوفمبر 2025م، صدر القانون رقم 174 لسنة 2025م بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، ونشر بالجريدة الرسمية في ذات يوم صدوره، ويبدأ العمل اعتباراً من أول أكتوبر التالي لتاريخ نشره، أي في الأول من شهر أكتوبر 2026م. وقد أبقى القانون الجديد على الأحكام الواردة في المواد الثلاث سالفة الذكر، مع إضافة نص جديد يتعلق بالتصالح في جرائم القتل والاعتداء على سلامة الجسم.
ومع استحداث نظام الصلح الجزائي، ظهرت بعض الإشكاليات العملية المتعلقة به، ومن هذه الإشكاليات مسألة مدى تساوي الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل مع الحكم بالبراءة، لاسيما وأن البعض من آحاد الناس قد يرى في لجوء المتهم إلى الصلح أو التصالح إقراراً منه بارتكاب الجريمة. بل إننا يمكن أن نجد صدى لهذا الاعتقاد لدى بعض رجال القانون أنفسهم. وللتدليل على ذلك، يكفي أن نشير إلى العديد من الأحكام الصادرة من محكمة النقض المصرية، والتي قام فيها المتهم بالطعن على الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل، وذلك على النحو الذي سنتناوله فيما بعد. كذلك، فإن ثمة بعض التساؤلات التي ثارت عن أثر الصلح أو التصالح الذي يتم أثناء مباشرة الدعوى الجنائية أمام القضاء، وهذه التساؤلات هي:
– مدى جواز طعن المتهم على الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
– مدى جواز طعن النيابة العامة على الحكم الغيابي بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
– مدى جواز إلزام المتهم بأداء الرسوم القضائية رغم انقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
– مدى اشتراط توافر الإجماع في إلغاء الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.
– مدى التزام النيابة العامة بنشر الحكم الصادر بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح مع المتهم السابق حبسه احتياطيا.
– مدى جواز الاحتجاج بقبول المتهم الدخول في إجراءات الوساطة الجزائية باعتباره اعترافاً.
– ما هو أثر الصلح على الدعوى المدنية؟
– ما هو أثر الصلح على الدعوى التأديبية؟
– ما هو تأثير الصلح بعد صيرورة الحكم باتاً على العقوبات التبعية والتكميلية؟
– مدى جواز إنهاء خدمة الموظف العام في حالة الصلح بعد صدور حكم بات.
– ما هو أثر الصلح في الجريمة الأصلية على الجريمة التبعية، وبشكل أكثر تحديداً أثر الصلح على جريمة غسل الأموال المتحصلة من الجرائم التي تم التصالح بشأنها؟
– مدى جواز طعن النيابة العامة أو المدعي بالحقوق المدنية على الحكم بالبراءة بدلاً من الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.
ومن خلال هذه الدراسة، نحاول الإجابة عن التساؤلات سالفة الذكر، وذلك في عشرة مباحث، كما يلي:
المبحث الأول: عدم جواز طعن المتهم على الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
المبحث الثاني: جواز طعن النيابة العامة على الحكم الغيابي بانقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
المبحث الثالث: مدى جواز الطعن على الحكم الصادر بالبراءة بدلاً من الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.
المبحث الرابع: نقض الحكم الصادر بإلزام المتهم بأداء الرسوم القضائية رغم انقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل.
المبحث الخامس: مدى اشتراط توافر الإجماع في إلغاء الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.
المبحث السادس: عدم التزام النيابة العامة بنشر الحكم الصادر بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح مع المتهم السابق حبسه احتياطيا.
المبحث السابع: عدم جواز الاحتجاج بقبول المتهم الدخول في إجراءات الوساطة الجزائية باعتباره اعترافاً.
المبحث الثامن: أثر الصلح على الدعوى المدنية.
المبحث التاسع: أثر الصلح على الدعوى التأديبية.
المبحث العاشر: مدى جواز إنهاء خدمة الموظف العام في حالة الصلح بعد صيرورة الحكم باتاً.
للاطلاع على الدراسة كاملة من هـــنــــا