
الحق في طفولة سعيدة
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
الطفولة ليست مجرد سنوات تمر،د بل هي النواة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وداخلها تكتب ملامح مستقبله. الطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة يشعر أن العالم مكانه وأن وجوده مهم وأن القواعد التي تحكم الناس صنعت لحمايته أما الطفل الذي يترك وحيدا أمام الحرمان والإقصاء فيكبر وهو يحمل بداخله شعورا بالظلم والغضب شعور قد يتحول لاحقا إلى استعداد داخلي للتمرد أو البحث عن الانتقام ليس بدافع الشر الفطري بل دفاعا عن كرامته المهدورة.
ومن هنا يظهر البعد الجنائي فالطفل الذي يفتقر إلى الغذاء والكساء والتعليم والدفء العاطفي والذي يعاني من نبذ المجتمع يزداد احتمال أن يتطور داخله شعور بالعداء والاغتراب وقد يتحول مع مرور الوقت إلى سلوك عدواني أو انحراف جنائي إذا لم يحتوَ أو يوجه.
الطفل لا يطلب الكثير، لكنه يحتاج إلى أبسط مقومات الحياة، غذاء يكفيه تعليم يفتح أمامه أبواب المستقبل رعاية صحية تحفظ حياته، دفء الأسرة واهتمام المجتمع. حين يحرم من أي منها، يبدأ جرحه النفسي بالتمدد، ويصبح احتمال الانحراف أو السلوك العدواني أكبر ليس لأن الطفل يولد مجرمابل لأن البيئة التي تكبر فيها النفس تؤسس لاحتمالات الخطر. هذا هو الواقع الذي تؤكده الدراسات الجنائية حول العلاقة بين الحرمان المبكر والميل لاحقا إلى الانحراف أو حتى الإجرام الانتقامي حيث يولد داخله شعور بأن الحقوق والفرص مسلوبة منه.
هنا يظهر دور الأسرة أولا، فهي المدرسة الأولى للطفل. اختيار الزوجين ليس مجرد رغبة عاطفية بل مسؤولية اجتماعية، لأنه يحدد جودة البيئة التي سيولد فيها الطفل. تأهيل الأب والأم للحياة الزوجية وتعليمهم مهارات التواصل وإدارة الخلافات وفهم الاحتياجات النفسية للأطفال كل ذلك يضع أساسا آمنا للنمو السليم ويقلل من احتمالات تشكل معوقات نفسية قد تنعكس جنائيا في المستقبل. إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون الإنجاب مسؤولية متوازنة مع الإمكانيات المادية والمعنوية فلا يخلق الطفل ليواجه نقصا في الغذاء والتعليم والحماية أو الحب.
بعد الأسرة تأتي الدولة والتي عليها واجب توفير شبكة حماية حقيقية. تعليم صحي شامل ودعم اقتصادي للأسر المحتاجة برامج اجتماعية تمنع التشرد والاستغلال، وضمان أن يكون لكل طفل الحق في الفرصة المتساوية للنمو. الدولة التي تهمل الطفولة تخزن الغضب داخل مجتمعها فتخرج أجيالا تواجه النظام لأنها لم تجد بداياته عادلة ما ينعكس لاحقا على معدلات الانحراف والجريمة.
ولا يكتمل الحماية إلا بمشاركة المجتمع. الإعلام والمدارس والمؤسسات الدينية منظمات المجتمع المدني كلها قنوات لبث ثقافة الرحمة والتكافل. الطفل الذي يرى المحبة والاحترام حوله يتعلم أن يعيدها، أما الطفل الذي يشعر بالإقصاء فإن الغضب يصبح لغته الأولى والانتقام شعوره الداخلي.
الحق في الطفولة السعيدة هو استثمار وجودي للأمن الاجتماعي، فهو يقي المجتمع من تشوهات نفسية تتحول لاحقا إلى سلوك عدواني أو جنائي، ويؤسس لأجيال تنشأ على العدالة والانتماء والاحترام المتبادل. كل جهد يبذل اليوم في توفير الغذاء التعليم الرعاية الحنان والاحترام للأطفال، هو حماية من الجريمة قبل وقوعها هو بناء أمل قبل أن يصبح فقده غضبا هو صناعة مجتمع أفضل قبل أن يواجه نتائج الفشل.
الطفل الذي يكبر وهو يشعر بالدفء والاحتواء لا يسعى لإيذاء الآخرين، بل يسعى لبناء حياة عادلة أما الطفل الذي يترك للحرمان فقد يكبر وهو يحمل داخله رغبة في استرداد ما حُرم منه، وقد تتخذ هذه الرغبة أحيانا شكلا عدوانيا أو جنائيا. هذا هو الاختبار الحقيقي لمسؤوليتنا جميعا: الأسرة التي تختار بعناية الدولة التي تدعم بوعي والمجتمع الذي يحتوي بالحب. إذن الحق في طفولة سعيدة ليس رفاهية بل ضرورة وهو الطريق الوحيد لبناء أجيال مستقرة مجتمعات آمنة ومستقبل يليق بكل إنسان. والله من وراء القصد.