الجريمة في القرآن

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

منذ أن خلق الإنسان ونفخ فيه من روح الله، وهو يحمل في أعماقه توترا رفيعا بين سمتين متقابلتين بين النور والظلمة، بين الاندفاع والضبط، بين القدرة على السمو وإمكان السقوط. لم يخلق صفحة بيضاء صامتة بل نفسا حية قابلة للفجور كما هي قابلة للتقوى قادرة على أن تختار، وأن تتحمل تبعة اختيارها. ولذلك جاء البيان الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ليكشف سر هذا التكوين المتوازن فالنفس لم تجبر على مسار، ولم تترك بلا هدى، بل أُعطيت القدرة على التمييز ثم وضعت أمام مسؤولية القرار. ومن هنا يبدأ معنى المسؤولية ويبدأ معه فهم الجريمة.

الجريمة في القرآن ليست حادثة تبدأ من اليد ولا من السلاح، ولا من الأداة، بل تبدأ من الداخل من تلك اللحظة الصامتة التي (يختل) فيها ميزان النفس. حين يضعف استحضار الله ويعلو صوت الأنا وتبرر النفس لنفسها ما تعلم في أعماقها أنه انحراف. إنها لحظة تبدو صغيرة لكنها في حقيقتها بداية مسار كامل. ولذلك لا يتعامل القرآن مع الجريمة كفعل منفصل بل كنتيجة لاختلال سابق في العلاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان وذاته وبين الإنسان والمجمتع.

ولهذا جاءت أول جريمة في التاريخ كما يعرضها القرآن: قصة نفس لم تحسن إدارة الغضب، ولم تهذب الحسد، ولم تقبل قدر الله فكان القتل نتيجة تراكم داخلي قبل أن يكون قرارا خارجيا. وكأن النص يريد أن يقول إن كل جريمة تمر بمراحل: تبدأ بفكرة ثم تتحول إلى تبرير ثم تصير عزيمة ثم تنتهي بفعل. والجريمة هنا ليست إزهاق روح فحسب بل سقوط إنساني في لحظة غلبت فيها الأنانية على الأخوة.

ومن هذا المدخل يتسع المفهوم القرآني للجريمة ليشمل كل إخلال بميزان العدل فليس القتل وحده جريمة بل الظلم جريمة وأكل أموال الناس بالباطل جريمة وإهانة الضعيف جريمة والغش في الميزان جريمة وشهادة الزور جريمة. وحتى الكلمة التي تجرح كرامة إنسان تدخل في دائرة الانحراف لأن القرآن لا يحمي الجسد وحده، بل يحمي الكرامة ويحمي التوازن الذي تقوم به الحياة. وحين يقول تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لا يبالغ-المولى عز وجل- بل يضع الجريمة في حجمها الحقيقي فالاعتداء على فرد هو اعتداء على فكرة الحياة ذاتها، والعدوان على نفس واحدة شرخ في جدار الإنسانية كله.

ومن هنا نفهم لماذا جاء القصاص بوصفه حماية للحياة لا إهدارا لها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. فالعقوبة في الرؤية القرآنية ليست انتقاما بل حفظ للتوازن وصيانة للوجود.
ومع ذلك فإن القرآن لا يغلق باب الأمل أمام من أخطأ فالمسؤولية ثابتة نعم، لكن الرحمة حاضرة أيضا. والمذنب لا يختزل في ذنبه، ولا يطرد من دائرة الإنسانية، بل يدعى إلى التوبة، ويفتح له باب العودة. وكأن العدالة في القرآن لا تكتمل إلا إذا اقترنت بإمكانية (الإصلاح) ولهذا ظل ميزان التشريع متوازنا بين الردع والرحمة بين حماية المجتمع وحماية الضمير.

ولا يقف الخطاب القرآني عند حدود الفعل الفردي، بل يتجاوز ذلك إلى البنية الاجتماعية التي قد تنتج الجريمة. فالظلم الاقتصادي واحتكار الثروة وإهمال الفقراء ليست مجرد أخطاء سياسية بل بيئات تغذي الانحراف. وحين يختل ميزان العدالة الاجتماعية يختل معه الاستقرار الأخلاقي. ومن هنا نفهم لماذا اقترن التشريع بالزكاة وبالأمر بالقسط وبالدعوة إلى التكافل؛ لأن الوقاية من الجريمة تبدأ من بناء ((مجتمع عادل)) قبل أن تبدأ من تشديد العقوبة.

وفي الوقت نفسه يرسخ القرآن قاعدة شخصية المسؤولية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فلا يحمل إنسان خطأ غيره، ولا يُعاقب بريء بذنب سواه. فالعدالة هنا دقيقة، لا تعرف التعميم ولا الانتقام الجماعي بل تقوم على وعي بأن كل نفس مسؤولة عن اختيارها كما أنها قادرة على تغييره.ثم يرتفع المفهوم إلى بعد حضاري أوسع؛ فحين يتحول الفساد إلى ثقافة ويصبح الظلم نظاما ويسكت صوت الحق لا تعود الجريمة فعلا فرديا، بل تصبح حالة مجتمع. وعندها يكون الانهيار نتيجة طبيعية لأن القرآن يربط بين الظلم وسقوط الأمم، ويجعل الإصلاح مسؤولية جماعية لا خيارا فرديا معزولا.

هكذا تتكامل الصورة: الجريمة في القرآن ليست مجرد خرق لنص بل خروج عن معنى الاستخلاف؛ وليست فعلا يعاقب عليه فحسب بل انحرافا عن ميزان وضع ليحفظ كرامة الإنسان. وعلاجها لا يكون بالعقوبة وحدها بل ببناء النفس وترسيخ التقوى وإحياء العدل في القلوب قبل أن يكتب في القوانين. فإذا استقام هذا الميزان في الداخل انعكس أثره في الخارج، وإذا حضر الضمير خف احتياج المجتمع إلى سطوة الردع لأن الإنسان حين يدرك أنه مسؤول أمام الله وأمام ضميره وأمام الناس يختار العدل لا خوفا من عقوبة فحسب، بل صونا لإنسانيته ذاتها. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى