الاقتران الجنائي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

هل يمكن أن تكشف المسافة الزمنية القصيرة بين جريمتين عن طبيعة إنسانٍ أكثر من مضمون الجريمة نفسها؟ وهل يكفي أن يرتكب الجاني جناية قتل لكي نضعه في خانة الخطر، أم أن خطورته الحقيقية تتجلى عندما لا يكاد يبتعد بزمنٍ عن جناية القتل حتى يُقدم على جناية أخرى؟ وهل يمكن للزمن، وهو عنصر غير مادي، أن يتحول في نظر المشرع إلى معيار موضوعي لقياس مستوى الإجرام داخل النفس البشرية؟ هذه الأسئلة هي أساس فهم أحد أعمق الظروف المشددة التي عرفتها السياسة الجنائية؛ ظرف الاقتران، الذي لا يُقاس بالدم وحده، وإنما بالوقت الذي يلتقط فيه الجاني أنفاسه بين جريمتين.

ففلسفة الاقتران تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن يرتكب الجاني جناية قتل تقترن بها جناية أخرى في زمن قصير، دون أن يشترط المشرع مكانًا واحدًا أو وسيلة واحدة أو دافعًا واحدًا. كل جناية تقف وحدها، بأركانها وسلوكها المادي، وكأن كلًا منهما عالم مستقل. ولكن الزمن وحده هو الذي يمد خيطًا رفيعًا بينهما، خيطًا لا يراه إلا المشرع والقاضي حين يدركان أن هذا الشخص لم يرتكب جناية وقتل ثم توقف، بل ارتكب ثم واصل، وكأن الفاصل الزمني بين الدم والدم لا يعني له شيئًا. هنا يفهم المشرع أن الخطر ليس في وقوع الجريمتين، بل في قدرة الجاني على ارتكابهما دون أن يمر في داخله التحول الطبيعي من الصدمة إلى الإدراك إلى التراجع.

ولعل أكثر ما يجعل الاقتران ظرفًا بالغ القوة هو أن المشرع لم يشترط علاقة سببية أو نفسية بين الجريمتين، بل اشترط فقط التقارب الزمني. فحتى لو اختلف المكان تمامًا وتباعد الناس واختلفت الوسيلة وتغير الدافع، يكفي أن تقع الجناية الثانية في مدى زمني قريب لا يسمح- في التقدير الإنساني الطبيعي-بأن يتبدل حال الجاني أو أن يتوقف ضميره. تصور مثلًا شخصًا يقتل في الصباح شخصًا في مشاجرة مسلحة، ثم في الليل يرتكب جناية خطف في حيٍّ آخر، أو جناية ضرب أفضى إلى موت، أو جناية قتل ثانية في سياق مختلف تمامًا. لا يربط بين الجنايتين أي خيط سوى الزمن؛ ورغم ذلك يعدّ المشرع هذا التقارب إعلانًا عن إرادة إجرامية لا تعرف التوقف، وعن نفس جاهزة للانزلاق السريع من جريمة إلى أخرى دون رادع داخلي.

وهكذا يتبين أن الاقتران ليس مفهومًا كميًا يعدّ الجرائم، بل قراءة نوعية في طبائع البشر، في قدرة إنسان على أن يستأنف حياته الإجرامية فور انتهائه من جناية قتل. فالمجتمع الطبيعي، حين يصطدم أفراده بجناية قتل، تتولد فيهم صدمة نفسية وارتباك داخلي واستعادة للقيم؛ أما الجاني الذي ينتقل خلال ساعات أو أيام قليلة إلى جناية أخرى، فإنما يقدّم للمشرع دليلًا على حالة خطورة بنيوية تتجاوز الحدّ المعتاد.

ولكثرة ما يُخلط بين الاقتران والارتباط، قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الارتباط هو علاقة سببية تجعل الجنحة جزءًا من الفعل الإجرامي للقتل، كمن يقتل ويستخدم سلاحًا محظورًا أثناء الجريمة فتتولد جنحة مرتبطة بالفعل الأصلي. أما الاقتران فهو استقلال كامل للأفعال، وتعدد للجنايات، لا تجمع بينها وحدة السلوك وإنما وحدة الزمن فقط؛ فالجنايتان أشبه بنقطتين بعيدتين، لكن تقاربهما الزمني يجعل ملامحهما تُقرأ معًا.

ولتجسيد الفكرة، يمكن تخيّل مثالين متناقضين: الأول، رجل يقتل جاره ثم يفر ليقتل بعد ساعات تاجرًا في منطقة أخرى بسبب خلاف مالي قديم. هنا تتعدد الدوافع والوسائل والظروف، لكن الزمن يربط بين الجنايتين ربطًا يكشف عن استمرار الإرادة الإجرامية. والثاني، شخص يقتل عمدًا، وأثناء القتل يعتدي على أحد الموجودين، فينشأ عن هذا الاعتداء جنحة ضرب. هذه ليست اقترانًا، بل ارتباطًا سببيًا داخل فعل واحد، لا يكشف خطرًا بنيويًا بل يكشف تطورًا طبيعيًا داخل الجريمة نفسها. وبذلك يتضح أن الاقتران هو تعدد أفعال مستقلة، والارتباط هو تعدد نتائج داخل فعل واحد.

ويتعمق المفهوم أكثر حين ندرك أن المشرع لم يشدد العقوبة في الاقتران حمايةً للضحايا فقط، بل حمايةً للمجتمع كله. فالجاني الذي يقترف جناية قتل ثم يتبعها سريعًا بجناية أخرى يشكّل تهديدًا مضاعفًا لسلامة المجتمع؛ لأنه يكسر حاجز الرهبة الأخلاقية التي ينبغي أن تسيطر على أي إنسان بعد جناية قتل. إن غياب هذا الحاجز يعني أن النفس قادرة على الانحدار السريع، وأن الخطر الذي تحمله لا يقف عند حدّ، وأن الجرائم لا تُحدث لديه الانكسار الداخلي الذي يعيد الإنسان إلى رشده. وهذا أصل فلسفي عميق في تشديد المشرع للعقوبة: إذ يرى أن العقوبة هنا ليست على الجريمة الثانية بقدر ما هي حكم على حالة إنسانية فقدت القدرة على التوقف.

وإذا كانت المقدمة قد طرحت سؤالًا عما إذا كان الزمن قادرًا على كشف حقيقة الإنسان، فإن الإجابة تظهر بوضوح في النهاية: نعم، فالزمن ليس فاصلاً محايدًا بين الجريمتين، بل هو مرآة تعكس طبيعة الجاني. وكلما ضاق هذا الزمن، اتسعت الرؤية التي نرى بها خطورته. ومن ثم فإن الاقتران ليس مجرد ظرف مشدد، بل هو أداة قانونية لالتقاط نبض النفس الإجرامية عندما تتحرك بسرعة من جناية إلى أخرى، دون تردد أو تفكير أو خوف. ليؤكد أن الزمن، بقدر ما يبدو عنصرًا صامتًا، هو في التشريع الجنائي أكثر العناصر إفصاحًا عن طبيعة الإنسان وخطورته.والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى