
الاتجار بالوهم
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
لم يعد النفوذ في المجتمعات الحديثة مجرد أثر جانبي للمكانة الاجتماعية أو الوظيفية، بل بات في بعض السياقات سلعة قائمة بذاتها، قابلة للتداول والتسعير، حتى ولو لم يكن لها وجود حقيقي في الواقع. ومن هنا يثور التساؤل منذ الوهلة الأولى: هل يتدخل القانون الجنائي فقط عندما يتحول النفوذ إلى قرار فاسد فعلي، أم أنه يتدخل عند لحظة أخطر، هي لحظة تسويق فكرة التأثير ذاتها؟ وهل يعاقب القانون على النفوذ الحقيقي وحده، أم يمتد تجريمه إلى النفوذ المزعوم الذي لا يعدو أن يكون وهما؟! ثم هل تتوقف المسؤولية الجنائية على تحقق النتيجة المرجوة من التدخل، أم أن مجرد العبث بثقة الأفراد في حياد السلطة العامة يعد خطرا قائما بذاته؟ وهل يختلف ميزان التجريم إذا كان من يتاجر بالنفوذ موظفا عاما، أم أن الخطورة واحدة متى تحول النفوذ- أيا كان مصدره- إلى أداة للكسب غير المشروع؟!
هذه التساؤلات شكلت الخلفية الفكرية التي صدر عنها نص المادة 106 مكرر (أ) من قانون العقوبات المصري، والذي جاء ليؤكد أن الفساد لا يبدأ عند صدور القرار المنحرف، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عند اللحظة التي يعرض فيها النفوذ- الحقيقي أو المتوهم- باعتباره طريقا مختصرا إلى السلطة العامة. فالنص، وهو يعاقب كل من طلب أو قبل أو أخذ وعدا أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم بقصد الحصول أو محاولة الحصول على عمل أو قرار أو منفعة من إحدى السلطات العامة، لا يقيم وزنا لنجاح التدخل أو فشله، ولا يميز في أصل التجريم بين موظف عام وغيره، بل يضع جوهر الجريمة في فكرة الاتجار ذاتها، أي تحويل النفوذ إلى مقابل، بما ينقل التجريم من دائرة النتائج إلى دائرة المخاطر.
ويكشف البناء القانوني للجريمة عن إدراك دقيق لطبيعة هذا السلوك. فالركن المادي لا يتطلب أكثر من سلوك إيجابي يتمثل في الطلب أو القبول أو الأخذ، وهي أفعال مستقلة بذاتها، يكفي تحقق أي منها لقيام الجريمة دون حاجة إلى ترتيبها زمنيا أو اقترانها بتحقق أثر لاحق. وقد جاءت المنفعة في النص بصياغة مطلقة، غير مقيدة بنوع أو قيمة أو طبيعة، بما يسمح باستيعاب صور معاصرة قد لا تكون مادية في ظاهرها، لكنها تمثل في حقيقتها ثمنا للتأثير أو للمساس بحياد القرار العام. أما النفوذ، وهو محور الجريمة، فقد تعمد المشرع إخراجه من دائرة الواقع المحض إلى دائرة الادعاء، فاستوى في ميزان التجريم النفوذ الحقيقي والنفوذ المزعوم، لأن الخطر الذي يستهدفه النص لا يكمن فقط في التأثير الفعلي على القرار، بل في خلق مناخ اجتماعي يوحي بإمكانية شرائه أو الالتفاف عليه.
ولا يقل الركن المعنوي اتساعا عن الركن المادي، إذ يكتفي القانون بالقصد (الجنائي العام)، المتمثل في علم الجاني بطبيعة سلوكه واتجاه إرادته إلى استغلال النفوذ – أو الزعم به- مقابل منفعة. ولا يشترط النص قصدا خاصا أو نية محددة لتحقيق نتيجة معينة، لأن المشرع يفترض أن مجرد الاتجار في النفوذ ينطوي بذاته على عدوان على نزاهة الوظيفة العامة، حتى ولو كان الجاني يعلم أنه يبيع وهما لا حقيقة له، أو كان يدرك أن تدخله لن يُفضي في النهاية إلى تحقيق الغرض المنشود.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة تحقق النتيجة باعتبارها نقطة فاصلة في فهم طبيعة الجريمة. فالأتجار بالنفوذ في القانون المصري (جريمة شكلية)، تامة بمجرد تحقق السلوك الإجرامي المقترن بالقصد، دون حاجة إلى تحقق أي أثر خارجي. فلا عبرة بما إذا كان التدخل قد أدى فعليًا إلى صدور القرار محل التأثير، أو ما إذا كانت الجهة العامة قد استجابت أو تجاهلت، لأن تدخل القانون الجنائي هنا لا يأتي بوصفه رد فعل على ضرر وقع، بل بوصفه إجراءً وقائيا ضد خطر داهم يتمثل في تقويض الثقة في حياد السلطة واستقلالها.
ولا يختلف هذا التحليل من حيث قيام الجريمة باختلاف صفة الجاني، سواء كان موظفا عاما أو شخصا عاديا، إذ يمتد نطاق التجريم إلى كل من يتاجر بالنفوذ أيا كان مصدره أو طبيعته. غير أن المشرع شدد العقوبة إذا صدر السلوك من موظف عام أو مكلف بخدمة عامة، تأسيسا على جسامة الجمع بين النفوذ الوظيفي والاتجار به، مع بقاء طبيعة الجريمة واحدة ولحظة تمامها واحدة، وهو ما يعكس تمييزا في مقدار الجزاء لا في أصل المسؤولية.
وعند الانتقال إلى المقارنة، يظهر بوضوح أن التشريع المصري لا يشكل خروجا عن الاتجاهات الجنائية الحديثة، بل ينسجم معها في جوهرها. فالقانون الفرنسي، على سبيل المثال، يقرر في المادة 432-11 من قانون العقوبات:
«Le fait de solliciter ou d’agréer des offres, promesses, dons ou avantages quelconques pour abuser d’une influence réelle ou supposée en vue de faire obtenir d’une autorité publique une décision ou un avantage.»
وهو نص يتطابق في جوهره مع التصور المصري، سواء من حيث المساواة بين النفوذ الحقيقي والمفترض، أو من حيث عدم اشتراط تحقق النتيجة، أو من حيث النظر إلى الجريمة بوصفها اعتداءً مستقلا على نزاهة القرار العام، لا مجرد صورة من صور الرشوة.
وفي إيطاليا، اختار المشرع أن يبرز فكرة الوساطة غير المشروعة بوصفها التعبير الأدق عن الاتجار بالنفوذ، فنص في المادة 346-bis من قانون العقوبات على:
«Chiunque, sfruttando relazioni esistenti con un pubblico ufficiale, indebitamente fa dare o promettere denaro o altra utilità come prezzo della propria mediazione illecita.»
وهو نص يؤكد أن مجرد استغلال العلاقات ذاتها، ولو لم تفضِ إلى نتيجة ملموسة، يكفي لقيام الجريمة متى اقترن بمقابل غير مشروع، بما يعكس ذات الفلسفة الوقائية التي يقوم عليها التجريم في القانون المصري.
أما في بريطانيا، فرغم عدم استخدام مصطلح الاتجار بالنفوذ صراحة، فإن قانون الرشوة لعام 2010، ولا سيما المادتين 1 و2، يجرم عرض أو طلب منفعة بقصد التأثير غير المشروع على أداء وظيفة عامة، دون اشتراط أن يكون من يعرض التأثير هو صاحب القرار ذاته، وهو ما يسمح باستيعاب صور بيع النفوذ داخل الإطار العام لجرائم الفساد، مع التركيز على معيار الإخلال بواجب النزاهة في الأداء الوظيفي.
وتكشف هذه المقارنة عن قاسم مشترك واضح بين هذه التشريعات، يتمثل في التعامل مع النفوذ بوصفه خطرا جنائيا مستقلا متى تحول إلى أداة للمقايضة، والتخلي عن اشتراط تحقق النتيجة، وتوسيع نطاق التجريم ليشمل النفوذ الحقيقي والمزعوم على السواء. ويظل الاختلاف بينها محصورا في الصياغة والتقنية التشريعية، دون أن يمس جوهر السياسة الجنائية الحاكمة.
وهكذا، يعود التساؤل إلى نقطة بدايته: الاتجار بالنفوذ ليس مجرد جريمة تقع في المنطقة الرمادية بين الرشوة والوساطة، بل هو تعبير صريح عن تحول عميق في وظيفة القانون الجنائي، من قانون يلاحق الفساد بعد وقوعه إلى قانون يتدخل عند أول تهديد لثقة المجتمع في عدالة القرار العام. فحين يباع النفوذ، حتى ولو كان وهما، لا يكون الخطر في القرار الذي قد يصدر، بل في الاعتقاد الذي يترسخ، وهو أن الطريق إلى السلطة لا يمر عبر القواعد القانونية، بل عبر العلاقات. ومن هنا كانت الحماية الجنائية، في مصر وفي القوانين المقارنة، حماية للثقة قبل أن تكون حماية للقرار، وحماية لفكرة العدالة ذاتها بوصفها أساس المشروعية ومصدر شرعية السلطة. والله من وراء القصد.