الأمثال والقانون.. الرجوع للحق فضيلة

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر- أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

 يتردّد على ألسنة الناس كثيراً حكمة «الرجوع إلى الحق فضيلة». وقد يُستخدم في التعبير عن هذه الحكمة أو القول المأثور عبارات أخرى، مثل «الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل». وعلى حد قول البعض، «الرجوع إلى الحق شجاعة واحترام للنفس والعقل، وفوق كل هذا فهو طاعة للرب عز وجل، والعظماء في نفوسهم وأخلاقهم لا يأنفون عن الرجوع إلى الحق وبيان أنهم أخطأوا… والثبات على الباطل بعد معرفة الحق دليل على ضعف العقل وسقوط الهمة».

 ويمكن أن نجد بعض المقولات النظيرة في اللغات الأجنبية. فعلى سبيل المثال، ثمة قول مأثور منسوب إلى الرئيس الأمريكي الأسبق بنجامين فرانكلين، وترجمته باللغة العربية هي «لا تفسد الاعتذار باختلاق الأعذار».

Never ruin an apology with an excuse.

ويقول مارك ماثيوس إن «الاعتذار لا يعني دائماً أنك على خطأ وأن الشخص الآخر على صواب، وإنما يعني فحسب أنك تقدر علاقاتك بالآخرين».

Apologizing does not always mean you’re wrong and the other person is right. It just means you value your relationship more than your ego. – Mark Matthews.

وينسب إلى عالم الاجتماع تايلر أوكيموتو قول مأثور، وهو أنه «إذا كان واضحاً للجميع أنك ارتكبت خطأ فإن محاولة إخفاء الخطأ أو اختلاق الأعذار، يظهر للناس ضعف شخصيتك أكثر من قوتك».

If it is clear to everybody that you made a mistake, digging your heels in actually shows people your weakness of character rather than strength.” Tyler Okimoto, Social Scientist.

وثمة قول مأثور، غير معروف قائله، مفاده أنه «عندما نعتذر عن أخطائنا، فإن ذلك في الحقيقة يجعل أنفسنا سوية».

“When we apologize for our wrong, we have made ourselves right”. – Unknown

والحكمة البليغة، «الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»، مأخوذة من رسالة سيدنا عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، في رسم القضاء، والتي يقول فيها: «لاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ…». وقد جاءت هذه الرسالة من الفاروق عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما ولاه قضاء اليمن.

وتعتبر هذه الرسالة أصلاً في باب القضاء، سلفاً وخلفاً، واقتبس الناس منها هذه الجملة لتكون حكمة ذائعة، يطبّقها العقلاء فيزدادون مكانة ورفعة، ويرفضها غيرهم فيكون رفضها وبالاً عليهم؛ لأن الحق إذا وضح فإن رفضه يكون مكابرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم «الكِبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس»، وفي رواية «ولكن الكبر من سفِه الحق وغمص الناس أو غمط الناس». وبطر الحق يعني دفعه، وسفهه يعني تسفيهه، وغمط الناس أو غمصهم يعني احتقارهم، وكل ذلك ممقوت لدى الناس، ولا يقبلونه، بل يدفعونه بما أوتوا من قوة؛ لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، فإن الحق واحد لا يتعدد، ومنهجه واضح لا لبس فيه، ولا عوج فيه ولا أمتى، وكما يقولون: لا يحق إلا الحق، ومهما كان للباطل صولات وجولات، فإنه يذهب جُفاء عاجلاً أو آجلاً، كما قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}.

ولو أن الذي اتضح له الحق، عمل بالحكمة وعاد إليه لكان محل تجِلّة الناس، كما قال أحد الشعراء:

ليس من أخطأ الصواب بمخطٍ…

إنْ يَؤبْ لا ولا عليهِ ملامَهْ

إنما المخطئ المسيء الذي إن…

 وضح الحق لجَّ يحمى كلامه

حسنات الرجوع تذهب عنه

سيئات الخطا وتنفي الذَّاَمه

ذلك لأن الخطأ سمة ابن آدم، لقصور نظره، ومحدودية فهمه، وقلة علمه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، فجعل للتائب من الخطأ محلاً في الخيرية؛ لأنه عرف الحق وعاد إليه، وهذا هو منهج الإسلام في كل شيء، فإنه يعامل الناس بحسب طاقتهم، فيقبل توبة التائب، ويفتح الباب للمعرض، ويمحو السيئات عن المسيء مهما كانت سيئاته، بل يبدل الله سيئاته حسنات، لأن هذا الدين صٍنعة الله رب العالمين، وشِرعته للعالمين، فعلى الناس أن يعرفوا ذلك ويقبلوا على أنفسهم ويعالجوا أخطاءهم، ويعدلوا مساراتهم، وإلا كان الخسران لهم بالمرصاد، فلا يهلك إلا نفسه، ولا يلوم إلا هي.

وهكذا يكون حال العباد مع بعضهم، فإنهم في أمور الدنيا أولى بالرجوع إلى هذه الفضائل، والتحلي بكرم الشمائل، لاسيما إذا كان في الرجوع إليه وحدة الكلمة، وحفظ الحقوق، وصون الأمة، وتعظيم الحرمات، واحترام الخصوصيات، ووحدة السياسات، فإن هذه كلها مرشحة لأن يعود الجانح، ويرعوي الشامخ، فإنه أولى بأن ينقاد إلى الحق من أن يستفزه الباطل، فيظل فيدركه الخسران المبين، وقد قال بعض البلغاء: ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى معين، والصدق أفضل قرين.

ولعظيم فضيلة الرجوع إلى الحق، كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، ومن أدعية السلف «اللهم أرنا الحق حقاً وألهمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وألهمنا اجتنابه» (يراجع في هذا الشأن: د. أحمد بن عبد العزيز الحداد، فضيلة الرجوع إلى الحق فضيلة، جريدة الإمارات اليوم، دبي، عمود 5 دقائق، 7 يوليو 2017م).

 وبالتمعن في النصوص التشريعية والنظريات القانونية والأحكام القضائية، يمكن أن نجد العديد من التطبيقات لهذه الحكمة البليغة. وهذه التطبيقات قد تتعلق بالقوانين الموضوعية، وقد تكون في القوانين الإجرائية. وللوقوف على هذه التطبيقات وإلقاء الضوء عليها، نرى من الملائم تقسيم هذه الدراسة إلى محورين، كما يلي:

المحور الأول: تطبيقات الرجوع للحق فضيلة في القوانين الموضوعية.

المطلب الأول: الندم اللاحق لا ينفي الجرم السابق.

المطلب الثاني: أثر العدول الاختياري عن الجريمة.

المطلب الثالث: أثر الرجوع عن الشهادة الزور.

المحور الثاني: تطبيقات الرجوع للحق فضيلة في القوانين الإجرائية.

المطلب الأول: استنفاد القاضي ولايته بصدور حكمه.

المطلب الثاني: تصحيح الأخطاء المادية.

المطلب الثالث: تفسير الحكم.

المطلب الرابع: التظلم من أمر الأداء أمام ذات القاضي.

المطلب الخامس: مدى جواز التظلم من قرارات قاضي الإفلاس أمام ذات القاضي.

المطلب السادس: العدول عن مبدأ قضائي سبق إقراره.

المطلب السابع: سحب الأحكام أو الرجوع فيها.

وسيكون كل موضوع من الموضوعات سالفة الذكر محلاً لمقال قادم إن شاء الله.

أشرف زهران

صحفي مصري، حاصل على بكالريوس إعلام، ومحرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين، ومكتب النقيب،
زر الذهاب إلى الأعلى