أهم (100) قاعدة وضابط في “فن التفسير القانوني” [8]

الدكتور محمد عبد الكريم أحمد الحسيني ـ أستاذ القانون المساعد بكلية الشريعة القانون IUM والمحامي.

 

كثيرةٌ هي محمولاتُ “التقنينات” وأكثرُ منها احتمالاتُ “تفسيرها”.. وكثيرا ما تتنازعُ الفهومُ حولَ تصورات “النصِّ التَّشْريعي” والتي ينشأُ عنها بالضرورةِ تضارباتٌ في تفسيره وتبايناتٌ في دلالاته المستنبطة وتتنازعٌ في أحكامه المستخرجة..

إضافةً إلى أسبابِ تعدُّدِ مداخلِها وتنوعِ مُوجِهاتها..!!

  • فإلى من تكونُ المشروعيَّةُ التفسيريَّةُ…؟!!
  • وإلى أيِّ مبدأ يكونُ الاحتكامُ الدِّلالي..؟!!

وإجابة هذا السؤال كامنة في اجتماع المبادئ التالية معا :

أولها : مبدأ “المشروعية اللغوية”، باعتبارها المدخل الرئيس بناء على مبدأ آخر وهو “أسبقية اللغة”، وهو ينفرع إلى شقين أحدهما شق “الدلالة اللغوية “، والآخر: شق” الآلة الأصولية اللغوية”.

 ثانيها : مبدأ قانونية الدلالة.

ثالثها: مبدأ (الاتفاق النسقي اللغوي والقانوني).

رابعها : رد الفروع إلى الأصول أو “رد التفصيلات إلى المحكمات”.

خامسها: مقاصد المشرع ومرادات الشارع في التنظيم الاجتماعي وفي حماية الحق موضوع النص.

 

وليكن محور حديثنا الآن عن المبدأ الأول، وهو:

مبدأ “المشروعية اللغوية للتفسير القانوني”

ونص هذا المبدأ :

“لِلُّغةِ في التَّفْسيرِ القانونيِّ أسبقيَّةٌ عنْ كلِّ ما سِواها؛ باعتبارها المدخلَ الشَّرْعيَّ للعُبور إلى المعْنى الموافقِ لمقصودِ الـمُشَرِّعِ”

وعن هذا المبدأ تتأتي هذه القواعد العامة الآتية:

القاعدة الأولى: تحظى العلومُ القانونيَّةُ بعناية المناهج التحليلية المعاصرة التي تقومُ على “أسبقية اللغة” والاعتداد بها على ما سواها.

وتعبِّرُ عن هذه القاعدةِ الكلية عِدَّةُ قواعدَ جزئيَّةٍ :

القاعدة الجزئية الأولى: أسبقية اللغة على ما سواها يضمن علمية التوصل إلى المعنى من خلال بِنَى النص دون تدخل للأهواء.

القاعدة الجزئية الثانية: أسبقية اللغة تعبر عن طبيعة لغة النص التشريعي بأنها لغة فنية مقصودة في كل ألفاظها وتراكيبها وجملها.

القاعدة الجزئية الثالثة: أنسبُ مداخل تفسير النصوص القانونية هي مداخل منهجيات التحليل الصورية المعاصرة.

القاعدة العامة الثانية : العلمية والمنطقية مفترضة ابتداء في بناء ووضع التقنينات الوضعية وفي صوغ أوراقها القضائية.

وتعبِّرُ عن هذه القاعدةِ الكلية عِدَّةُ قواعدَ جزئيَّةٍ :

القاعدة الجزئية الأولى: يقوم البناء التشريعي في ألفاظه وتراكيبه وعباراته بناء على مستهدفات المشرع ومقصوداته .

القاعدة الجزئية الثانية: يفترض البناء النسقي والتماسك المنطقي في النصوص التشريعية وفي أوراقها القضائية.

القاعدة الجزئية الثالثة: تؤدي أبنيةُ النص التشريعي إلى ما أراد منها واضعها بالضرورة.

القاعدة العامة الثالثة: يستمد التفسير القانوني مشروعيته من مدخله اللغوي البنائي ابتداء.

وتعبِّرُ عن هذه القاعدةِ الكلية عِدَّةُ قواعدَ جزئيَّةٍ :

القاعدة الجزئية الأولى: مشروعية التفسير القانوني شرط لقبوله وحوزه على قوَّة النص القانونية.

القاعدة الجزئية الثانية: تعبِّرُ اللغة القانونية البنائية للنص عن مقصود واضعه الدلالية ومراداته التشريعية.

القاعدة الجزئية الثالثة: يضمنُ المنهجُ التحليل الصوري في فهم النصوص القانونية شرعيةَ تفسيرها الدلالي وشرعية استنباط أحكامها ذات العلاقة بموضوعها.

[راجع بالتفصيل القواعد وأمثلتها في دراستنا الموسعة النظرية العامة للغة القانوني ص 277 وما بعدها ، د. محمد عبد الكريم أحمد الحسيني ،  كلية الشريعة والقانون 2021م].

نموذج تطبيقي لمشروعية التفسير ومتعلقاته من كتب فقهاء القانون :

النموذج الأول: سبب الإباحة في القانون وكيفيات استخلاصها

 يذكر العلامة محمود نجيب حسني في كتابه “شرح قانون العقوبات القسم العام” قضايا تقارب ما طرحناه في المبدأ السابق وقواعده فيقول :” يرجع الأساس الأول لأسباب الإباحة إلى كون النظام القانوني العام لا منسقا لا تتناقض قواعده . فإذا تبين أن الشارع يلزم بفعل أو يرخص به فلا مفر من القول بأنه مشروع ، فإن كان في القانون نص يجرمه تعين تحقيق الاتساق بين القاعدتين والقول بأن قاعدة الإلزام أو الترخيص قيد على قاعدة التجريم .

وغني عن البيان أن قواعد الالتزام أو الترخيص متناثرة في نصوص القانون” ثم يكمل في ذات السياق بقوله :” ولا يعتبر الشارع نفسه ملزما بأن ينص عليها صراحة ، فقد يكون استخلاصها ضرورة منطقية بحتها التفسير . وقد اعترف قانون العقوبات بهذه الحقيقة، فيما اعتبر استعمال الحق المقرر بمقتضى الشريعة سببا للإباحة ( المادة 10) لم يحدد هذه الحقوق ، وإنما أحال إلى أفرع أخرى من القانون بكل ما تتضمنه من قواعد ، وما تعترف به من مصادر ، و بعض الحقوق لم يرد في شأنها نص ، وإنما هي ثمرة للمبادئ العامة للقانون وأثر لازم لما ينبغي أن تتسم به قواعد القانون من أنساق” .

[شرح قانون العقوبات ( القسم العام) ص 168، 169 الدكتور محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية القاهرة سنة 1962 م، وراجع دراستنا النظرية العامة للغة القانونية ص 319]

النموذج الثاني: التفسير الصحيح للقوانين وفكرة رجعية القوانين

يقول العلامة الدكتور محمود نجيب حسني أيضا: “وهذه الفكرة هي التي تضع الحدود الطبيعية لرجعية القوانين الأصلح للمتهم، فحيث يتبين أن هذه الرجعية تخالف (النظام العام) يكون من المتعين استبعادها، ويعني ذلك أن رجعية التشريع العادي وسريانه على ما ارتكب خلال العمل بالقانون على الأفعال التي ارتكبت أثناء فترة العمل به. وهذا الرأي يعيبه الغموض، ففكرة النظام العام في ذاتها في حاجة إلى ضابط يحكمه، وهي لا تصلح ضابطاً ولا تأتي بتفسير مقبول”.

ثم يكمل حديثه قائلا:” ونرى أن التفسير الصحيح للحكم الخاص بالقوانين المحددة الفترة هو انتفاء العلة التي تقوم عليها رجعية النصوص الأصلح للمتهم. فهذه النصوص ذات أثر رجعي لأنها تعني اعتراف الشارع بأن العقوبة السابقة غير ضرورية أو غير مفيدة، فلا محل بعد هذا الاعتراف للإصرار على توقيعها، فثمة تطور في سياسة التجريم والعقاب وثمة اعتراف بعيب في التشريع السابق. ولكن هذه العلة لا محل لها حينما تنقضي فترة العمل بالقانون المحدد الفترة، إذ لا يعني انقضاؤها تطوراً في السياسة التشريعية، وإنما كل ما يعنيه مجرد تغير الظروف وما يقتضيه ذلك من تحقيق الاتساق بين الظروف الجديدة والتشريع، فحيث تنتفي علة الرجعية لا يكون سبيل إلى القول بها.

ولهذا التعليل أهميته حيث لا يتضمن القانون نصاً صريحاً خاصاً بالقوانين المحددة الفترة، إذ يبرر الحكم الخاص بها، له أهميته كذلك حيث يتضمن القانون نصاً يقرر ذلك الحكم، إذ يعين على تفسيره وتحديد نطاقه”.[شرح قانون العقوبات ( القسم العام) ص123 الدكتور محمود نجيب حسني

دار النهضة العربية القاهرة سنة 1962 م، وراجع دراستنا النظرية العامة للغة القانونية ص 320]

 

 

عبدالعال فتحي

صحفي بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين؛ عمل في العديد من إصدارات الصحف والمواقع المصرية، عمل بالملف السياسي لأكثر من عامين، عمل كمندوب صحفي لدى وزارتي النقل والصحة، عمل بمدينة الإنتاج الإعلامي كمعد للبرامج التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى