أسس الكتابة البحثية وفنونها

بقلم الدكتور/ محمد طرفاوى محمد المحامي

البحث العلمي طريق النجاح  وعنّوان كل دولة متحضّرة، فالعلم هو رأس كل تطّور وأصل أي تقدم ومن يحتّرم العلم والعلماء ويمنحهم مكانتهم التي يستحقونها سيجد حتماً نتيجة واحدة وهي رفعة البلاد وثراء العباد، ومن هذا المنطلق وحرصاً على حثَ العباد على العلم قال تعالي (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ )(1)  وقال عز من قائل( ‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(2).

جاءت أقوال المصطفي صلي الله عليه وسلم تأكيداً لهذا المعني فقال (منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ) (3) من هنا تتضح أهمية البحث العلمي كوسيلة للتطّور وتعمير الأرض كما أمرنا المولي عز وجل .

يعد البحث العلمي من أكثر الموضوعات محل النقاش في الأوساط العلمية فالبحث له معايير وأسس محددة وضوابط يجب أن يلتزم بها الباحث في محاولاته لإعداد بحث جيد ومفيد ومن هنا ظهرت مقّررات دراسية كاملة لبحث أسس وقواعد البحث العلمي وطريقة الكتابة البحثية السليمة حتى يُمَكِن أن يصل الباحث إلى الهدف المنشود، تتمثل أسس البحث العلمي في مجموعة من الأساليب المنهجية المتبعة وفق نظام مرتب ومتسلسل من أجل الوصول إلى نتائج مؤكدة باستخدام البحث والتدقيق والمعالجة، والذي يؤدي إلى إنتاج أو تعديل أو إضافة معلومات وبيانات إلى الحقائق الموجودة عبر دراسات وأبحاث سابقة.

يمكن القول أن أسس البحث العلمي تمثل القواعد التي يعتمد عليها الباحث العلمي بحيث يقوم بكتابة بحث علمي على نحو صحيح وموثوق به. كما وتمثل أسس البحث العلمي جميع الخطوات التي يجب على الباحث العلمي إتباعها من أجل إعداد البحث العلمي المطلوب ولاسيما البحث العلمي الذي يتناول موضوعًا واحدًا يتطلب من الباحث العلمي اتخاذ كافة الإجراءات والطرق والوسائل للحصول على البيانات والمعلومات الواجب على الباحث العلمي أخذها بعين الاعتبار من أجل كتابة البحث العلمي وفق أسس البحث العلمي الصحيحة.

علاوة على ذلك، إن كل أساس من أسس البحث العلمي له دورًا مميزًا خاصًا به من حيث إضفاء العلم الواجب تضمينه في البحث العلمي على نحو سهل من أجل ضمان فهّم القارئ لمحتوى البحث العلمي. كما أن كل أساس من أسس البحث العلمي له الدور الكبير في تزويد القارئ بالثقة اللازمة حول محتوى البحث العلمي؛ وذلك لأن الباحث العلمي يدرك ضرورة توثيق جميع المعلومات التي حصل عليها من كافة المصادر باختلاف أنواعها، مثل: أمهات الكتب، الدراسات السابقة، الأبحاث السابقة، المجلات العلمية، المواقع الالكترونية، الصحف الالكترونية وغيرها.

1-سورة الزمر الآية رقم (9).

2-سورة المجادلة الآية رقم (11)

3-رواة أبو داود والترمذي – عن أبي الدرداء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

نصل مما سبق إلى ضرورة مراعاة أمور متعددة عند القيام بإعداد أي بحث فيجب بداية تحديد نوع الدراسة (موسوعية، فقهية، مقال علمي، بحث مصغر، رسالة علمية) فلكل نوع أسس ومبادئ وخصائص يجب مراعاتها عند بداية العمل.

بعدما يحدد الباحث نوع الدراسة فعليه وضع المشكلة البحثية وهو الموضوع محّل الدراسة وتحديد المشكلة البحثية يساعد في إتمام بحث علمي على نحو متميز لأن الوقوف على المشكلة البحثية خطوة مبدئية تترتب عليها جميع الخطوات اللاحقة فلو أصاب الباحث في تحديد المشكلة أصاب ما تلاها ولو أخطأ كان كمن يبني على الماء فعندما يكون الأساس سليما سيكون المبني صحيحاً وعندما يكون الأساس خاطئاً سيكون المبني حتماً مهتزاً ، وعندما يضع الباحث المشكلة البحثية يضع عنواناً مبدئياً للبحث ثم ينتقل للمرحلة الثانية وهي القراءة والبحث في الدراسات السابقة والمؤلفات العامة والموسوعية بحثاً عن إطار يحدد المشكلة وطريقة الحل ثم يضع عنواناً نهائياً للبحث ومن يقوم مباشرة في ضوء القراءة بعمل الخطة البحثية التي سوف يسير على خطاها وهنا يجب أن يكون ملماً بكيفية عمل الخطة.

الخطة البحثية هي إطار الدراسة طبقاً لما يراه الباحث ويجب في هذه المرحلة تحديد منهج الدراسة (تحليلي، مقارن، استنباطي) كما يجب تحديد مدى الدراسة وحدود البحث للوقوف على أقصى درجات الضبط العلمي ثم يقوم الباحث بافتراض الفروض ويسأل نفسه أسئلة ليجيب عليها في البحث وهو ما يصل بالباحث إلى وضع الخطة المبدئية للدراسة.

ينتقل البحث في المرحلة التالية إلى الإطلاع المّوسع والقراءة المتأنية والبحث في المراجع ثم كتابة ملاحظات في شكل أوراق صغيرة مبعثرة في الأبحاث المتعددة ثم يقوم الباحث بعملية التجميع ومن ثم عملية الدمج حتى يحدد محتوي احتمالي للمتن والهوامش، يقوم الباحث بعد ذلك بمحاولة الصياغة في إطار ما توصل إليه من جماع ما تقدم وفي هذه المرحلة من الممكن تعديل الخطة لذلك كانت الخطة الأولي مبدئية فالباحث يقوم أثناء البحث بإدخال التعديلات والتغيرات على الخطة في ضوء ما توصل إليه من تفاصيل تخص البحث.

يقوم الباحث (عقب إجراء ما تقدم) بالمراجعة العامة للصياغة وطريقة طرح الأفكار لمراجعة المعاجلة التي قام بها للمشكلة البحثية والنظر في مدى حل المشكلة من عدمه ومدى التزامه بأسس البحث العلمي ووضع تقدير للبحث حتى آخر مرحلة.

المعالجة من أهم الأمور التي يجب على الباحث أن يكون متقناً لها فالمعالجة هي قيام الباحث بصياغة البحث في إطار الأسس السابقة لمحاولة حل المشكلة البحثية، والمعالجة تتضّمن طريقة كتابة المتن وطريقة كتابة الهامش كذلك مراجعة عمليات الاقتباس ثم المراجعة الموضوعية للموضوع وطريقة تناوله .

يجب على الباحث مراعاة قواعد الاقتباس وهو عملية الاستشهاد والاستناد وتنقسم إلى نوعين :

  • اقتباس مباشر وهو النقل المباشر من المصدر دون حذف أو تعديل أو تحريف في الصياغة ويستخدم عادة لزيادة عملية الضبط العلمي وتأكيد فكرة الأمانة العلمية ولا يجب أن يزيد عن صفحة في كل اقتباس.
  • اقتباس غير مباشر وهو النقل الغير حرفي للنص من المصدر بمعني قراءة النص من المصدر جيداً وفهمه والتعبير عنه في البحث بصياغة الباحث ولكنه مازال اقتباساً من مرجع آخر لذلك يجب أن يكون منضبطاً وواضحاً ولا يحمل أي تحريف للمصدر وهذا النوع من الاقتباس يجب أن يقوم به الباحث بحذر شديد حتى لا يشوه فكرة المصدر الأصلي حال فهمه للنص بشكل خاطئ لذلك لا ينصح به في رسائل الماجستير لحداثة الباحث في مجال البحث وهو مستحب في رسائل الدكتوراه ويثري البحث لكون الباحث يثبت بعملية الاقتباس الغير مباشر مدى إلمامه وفهمه للمصادر وإمكانياته البحثية العالية في إعادة صياغتها دون تحريف.

يهدف الاقتباس إلى مراعاة الأمانة العلمية بالإشارة إلى مصادر المعلومات ويجب على الباحث أن يكون موضوعياً في اقتباساته فلا يبحث فقط عن المصادر التي تؤيد وجهة نظره بل يجب أن ينفتح على جميع الآراء والباحث الأقوى هو من يناقش الآراء ويورد رداً منطقياً وموضوعياً عليها والباحث الأذكى هو من يخرج برأي جديد أو نظرية جديدة من جماع دراساته.(1)

يصل بنا ذلك إلى الحديث عن آراء الباحث الشخصية وتوجهاته وتوصياته في البحث فيجب على الباحث أن يبتعد عن عرض رؤية عامة لتأييد رأي بألفاظ عامة مبهمة فهو أمر لا يوافق الضبط العلمي بل على الباحث أن يناقش ويعرض جميع الآراء ثم يؤيد رأياً ويخالف آخر فعليه أن يعرض لأسباب التأييد وأسباب المخالفة وإن خرج الباحث برأي جديد على خلاف الجميع فلا يجوز أن يعرض له في سطر أو سطرين بل يجب أن يؤسس لفكرته تأسيساً واضحاً وهو ما يسمى بالبناء التقني للرأي فعندما يعرض الباحث نظرية جديدة يجب أن يقوم بعرض أمور متعددة ومنها أن ينقد بشكل موضوعي جميع النظريات والآراء التي تمت مناقشتها وأن يعرض لفكرته بأسس ومميزات تحتوي في فحواها على رد على جميع الانتقادات التي وجهها للنظريات الأخرى.

التوصيات ضمن نتائج البحث ولكن يجب عند عرض التوصية أن يعرض الباحث تأسيسها ومدى الاستفادة منها فعلى سبيل المثال في البحث القانوني عندما يعرض الباحث لتوصية للمشرع بتعديل تشريع ما يجب أن يعرض أسباب التوصية فيعرض أوجه قصور التشريع على النحو الحالي ويعرض الانتقادات الموجهة للصياغة ثم يناقش الحلول المقترحة ثم يعرض لما يوصى به (النص المعدل) وفيه يجب أن يتلافى جميع العيوب التي عرضها نقداً للنص.

1-      تم استخلاص الأفكار الرئيسية لهذا البحث من مؤلفات تخصصت في عرض أسالبي وأسس البحث العلمي كبحث الأستاذ الدكتور/ جابر جاد نصار – أصول وفنون البحث العلمي – دار النهضة العربية – الطبعة الثالثة- سنة (2005)، والأستاذ الدكتور/ أيمن سعد سليم – أساسيات البحث العلمي- دار النهضة العربية- سنة (2018).

يجب أن نعرض في النهاية للخاتمة والمقدمة وعلى الرغم من أن المقدمة هي أول ما يقرأ إلا أنها آخر ما يكتب فالمقدمة استعراض شامل للبحث وفحواه والصعوبات التي واجهت الباحث ومنهج البحث ومدي البحث وحدود الدراسة وتلك أمور لا تستقر إلا بعد الانتهاء من الكتابة، أما الخاتمة فهي خلاصة البحث ويجب على الباحث عند صياغتها أن يقوم باستعراض شامل لما قام به في البحث ثم يعرض ما توصل إليه من نتائج وما يقترحه من توصيات.

                                      

 

زر الذهاب إلى الأعلى