قراءة تحليلية لأعمال المؤتمر السنوي الـ ١٩ لمحامي مصر

ماهر الحريري

في مشهد من حيث العدد، يعيد للأذهان أحداث الخامس عشر من يناير هذا العام بمحكمة زينهم، مع اختلاف المناسبة والمكان، وأمام مجموعة هاواي بالغردقة عروس، البحر الأحمر، في الفترة من الخامس والعشرين حتى الثامن والعشرين من سبتمبر، يأتي الانعقاد التاسع عشر للمؤتمر العام لمحامي مصر، برئاسة سامح عاشور، نقيب محامي مصر، رئيس اتحاد المحامين العرب. فبالأعمال التحضيرية وقبل انعقاد المؤتمر، يتفقد عاشور سرادق الاستقبال، ومكان الانعقاد، وكأنه يريد الوقوف بنفسه على كل شيء، وكان لذلك أثره الملموس في منع كوارث كادت تقع، خاصة مع تدفق تلك الأعداد بمدخل المؤتمر، لولا أن تداركها عاشور في اللحظات الأخيرة.

ونهار اليوم الأول للمؤتمر، تبدأ عملية تسكين المشاركين بسلسلة فنادق أحسن حالا بكثير من ذي قبل، تستحق رئاسة المؤتمر وبحق الشكر عليها. تمر عملية التسكين بهدوء وسلام، اللهم لبعض الفرعيات لا دخل لأمانة المؤتمر بها، في أخطاء يسأل عنها أعضاء نقابتهم العامة والفرعيات، نتيجة عدم التزام التعليمات.
ومساء اليوم نفسه، تبدأ وقائع الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بتدافق المشاركين. ولست بمبالغ إن قلت إنها مشاركة غير مسبوقة على أقل تقدير. فعدد المشاركين بالجلسة الافتتاحية فاق الستة آلاف محام، بخلاف الضيوف، والإعلاميين، والصحفيين، وموظفي النقابة. ولعل الصور على ذلك خير شاهد، كل ذلك وسط استقبال هائل من بعض أعضاء مجلس النقابة العامة والفرعيات، وأخص بالشكر نقابة البحر الأحمر بكل تشكيلها.
وفي التاسعة من مساء اليوم نفسه، يصل عاشور، رئيس المؤتمر، لمقر الانعقاد. وبين الازدحام الشديد، ووابل من الترحيب، يجد صعوبة بالغة في الوصول للمنصة ليستغرق بذلك وقتا طويلا قلل من حدته أغنية “أنا الشعب” التي ألهبت مشاعر المحامين.
وعلى منصة من الجانبين، تتوسط أعضاء مجالس النقابة العامة، ومجالس الفرعيات، يجلس عاشور بجانبه رموز نقابتنا المصرية، وهكذا بعض النقباء العرب، في مشهد هو الفريد من نوعه، وتقليد جديد لمثل هذه المؤتمرات.
وتبدأ وقائع الجلسة الافتتاحية بالسلام الوطني لجمهورية مصر العربية انتماء لهذا الوطن، تليه كلمة وكيل النقابة، مقرر المؤتمر، ثم الوقوف حدادا على رموز وفرسان للمحاماة رحلوا. وبآيات لكتاب الله، تبدأ أعمال المؤتمر، ثم كلمة نقيب محامي البحر الأحمر مرحبا بزملائه الحضور.
وفي تقليد هو الأوحد من نوعه، يتحدث نقيب محامي طرابلس لبنان لأشقائه المصريين، مشيدا بعاشور، كنقيب للمحامين المصريين، ورئيس لاتحاد المحامين العرب، مشيدا بنقابة المحامين المصرية في مساندة الأشقاء العرب، وكذلك دور الدولة المصرية في حمايتها للدول العربية،
ومساندة قضاياها. وفي حديثه، يعبر وبحق عن عروبته وتقديره لمصر والمصريين، في حديث شيق ظهرت فيه وبحق قواعد لغتنا العربية، وفصاحة أهل الشام.
ثم يأتي دور أمين صندوق نقابتنا المصرية بلسان عربي فصيح، وإلقاء حماسي، مقدما عاشور رئيسا للمؤتمر. ويبدأ عاشور حديثه مرحبا بزملائه وأبنائه من المحامين، وكذا بأشقائه
العرب بين تصفيق الحاضرين، فيتعرض لمشكلاتنا المهنية، وخدماتنا النقابية، وكيفية علاجها، من خلال واقع عملي ملموس، على رأسها كرامة المحامي، وحسن مظهره وسلوكه، وحسن تصرفه، مؤكدا ميلادا جديدا لنقابة المحامين، في ظل فصل دستوري للمحاماة هو الأوحد بكل دساتير العالم، وتعديلات لقانون تستمد من الدستور قوتها، تكون فيها
نقابة المحامين سيدة جدولها، ونصوص دستورية وقانونية تكفل للجميع حق الدفاع في محاكمة عادلة، في ظل محاماة مستقلة. ويمضي متحدثا عما استحدثه قانون المحاماة من كيانات ترتقي بالمحاكم، فكرا ومكانة، كأكاديمية المحاماة والدراسة بها، وكذا مدونة السلوك المهني، والتنقية، وضوابط القيد، وبحث آليات التنفيذ لنخلق محام نضاهي به القضاء، صفا ومكانة، وكذا كل مؤسسات الدولة.
وفي مفاجأة غير متوقعة، ينتقل بنا عاشور للجانب الخدمي ليعلن امتداد معاش المحام كاملا لآخر مستفيد، دون نقص أواستقطاع، في مفاجأة، وسط تصفيق حاد، أثلجت صدر جميع الحاضرين تنفيذا لمطلب منذ زمن بعيد طالبنا به كثيرا. ليس ذلك فحسب ليزيد عاشور من مفاجآته، ويعلن زيادة المعاش لثلاثة آلاف جنيه شهريا، بحد أدنى ألف جنيه، معلنا عزمه الدعوة لانعقاد جمعية عمومية لإقرار ما سلف ذكره، ويوضح
ما يدور بأذهان المحامين من تساؤلات، ليوضح أمورا، ويجيب عن تساؤلات كثيرا ما علقت بأذهان المحامين . ويرفع عاشور علم الدولة المصرية متحدثا عن نقابة المحامين، ودورها الوطني، موضحا ما تتعرض له مصرنا الحبيبة من مؤامرات ومحاولات البعض لزعزعة الاستقرار، ومحاولة إسقاط
الدولة المصرية، مستعرضا لمخاطر الإرهاب على الوطن والمواطنين، ومشيدا بجيشنا المصري العظيم، داعيا المحامين وكل طوائف الشعب المصري لمؤازرة مؤسسات الدولة، مؤكدا حق المواطنين في حياة كريمة، ومحاكمات عادلة أمام قاضيهم الطبيعي، مشددا على أن نقابة المحامين لن تتخلى عن أبنائها، جميع أفراد الشعب، شريطة ألا يتعارض ذلك مع المصالح العليا للوطن، أو النيل من أمنه وسلامة أراضيه.
ويطوف عاشور بنا أرجاء عالمنا العربي، مؤكدا الدور القومي لنقابة المحامين، جاعلا من فلسطين المحور الأول لحديثه، فيستنكر عليها أن تخلع ثوب عروبتها، أو حتى تقسيمها، مؤكدا أن القدس عاصمة لها، ويحدثنا عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في فلسطين، وسياسة أمريكا تجاه العرب والمسلمين.
ويمضي متحدثا عن صفقة القرن في كل دولة عربية، واستنزاف ثروات العرب، ومحاولات تقسيم ليبيا، وسوريا، واليمن، ولبنان، مستشهدا بماحدث بالسودان والعراق. وبحس وطني قومي، ووعي سياسي، استطاع عاشور أن يلهب مشاعر الحاضرين، معارضين قبل مؤيدين، بعد أن لعن أمريكا وإسرائيل. وبين تصفيق وهتاف الحاضرين، يختتم عاشور فاعليات اليوم الأول.
وفي صباح اليوم الثاني، حتى مسائه، تبدأ أعمال اللجان من ضوابط قيد، وتنقية، وواجبات وحقوق المحامين، وكذا أكاديمية المحاماة، ومدونة السلوك المهني، إضافة للجنة الإدارات القانونية، بأماكن انعقاد قريبة من بعضها بعضا، تلافيا وتصحيحا لأخطاء المؤتمر السابق، حتى يتمكن المحامون من المشاركة والحضور.
وبكل أسف، تلاحظ لنا في أثناء المشاركة غياب الكثير من المشاركين، خاصة أولئك المنتقدين على صفحات التواصل، وكذا أعضاء اللجان من أعضاء المجالس الفرعية، وهم المنوط بهم الاستماع لمشكلات وتوصيات المحامين، عدا لجنة الإدارات القانونية، رغم أهمية ذلك في إخراج التوصيات النهائية للمؤتمر.
وجاءت صياغة البنود المقترحة لمدونة السلوك المهني دون المستوى، وشابها بعض المقترحات المخالفة لصحيح قانون المحاماة، وغابت عن الوجود المادة العلمية المطبوعة، موضوع المناقشة باللجان، وهذا ما تسأل عنه أمانة المؤتمر. وحرص رئيس المؤتمر على متابعة حضور مناقشات اللجان. ولاعجب، فتلك عادته، وهذه طبيعته. وفي لمسة وفاء من الجمعية العمومية، وفي أثناء انعقاد لجنة الإدارات القانونية بفندق بانوراما، تفاجئنا إحدى المحاميات بتقديم هدية تذكارية لعاشور بتمثال للعدالة يوناني برونزي، تعبيرا عن تقدير الجمعية العمومية.
وفي مساء اليوم نفسه، تبدأ الجلسة النقاشية بحضورعاشور ليجيب عن أسئلة واستفسارات المحامين المهنية والنقابية وسط غياب الكثير من ممثليهم بالنقابة العامة والفرعيات. ولا أدري لذلك سببا، لكن ربما كان هروبا من المواجهة. لكن استطاع عاشور الإجابة عن كل ما طرح عليه من أسئلة واستفسارات، وإيضاح كل ما هو غامض ليزيل أي لبس قد علق بأذهان المحامين. وصبيحة اليوم الثالث والختامي، تبدأ أعمال اللجان مرة أخري وسط حضور البعض، ومتابعة عاشور المستمرة.
ومساء اليوم نفسه، كانت الجلسة الختامية بحضور عدد كبير من المحامين، برئاسة عاشور، وحضور الأمانة العامة للمؤتمر، ورموز نقابتنا المصرية، وكذلك النقباء العرب، وسط استقبال حافل من أعضاء المؤتمر لعاشور، الذي أصر على تعريف ضيوفه العرب للمحامين المصريين، كل باسمه وصفته، وجها لوجه، ليصحح عاشور بذكائه الخارق ما أفسده البعض تجاه البعض منهم، خاصة بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر. ثم تعلن أمانة المؤتمر البيان الختامي، والتوصيات، ويعلن أمين الصندوق توصيات لجنة الإدارات القانونية كالعادة. ثم يعاود عاشور الحديث عن مشكلاتنا المهنية، وخدماتنا النقابية، موضحا لآلامنا، مستعرضا لآمالنا وطمَوحاتنا في المرحلة القادمة، مركزا على استقرار أمن مصر، ودعم جيشها ومؤسساتها، مدينا للحادث الإرهابي في ذلك اليوم، مؤكدا كرامة المحاماة والمحامي، وكذا استقرار عالمنا العربي، والدفاع عنه، ورفضه ورفض نقابة المحامين لكل محاولات تقسيم الوطن العربي، ونهب ثرواته، وبهذا، تنتهي فاعليات المؤتمر.

أبرز ما جاء علي هامش أعمال المؤتمر:

كثرة الصور التذكارية لأعضاء مجلس النقابة مع المحامين ربما حبا، ربما توددا للانتخابات القادمة، ربما وداعا من بعضهم لصفة نقابية قد تغيب عنه على الأقل لمدة أربع سنوات قادمة.

من إيجابيات المؤتمر:

غياب البعض وبعده عن المشاركة في العملية التنظيمية مما أثر فيه بالنجاح.
متابعة رئيس المؤتمر والأمانة العامة للمقترحات، والدخول بها حيز التنفيذ، مما ساعد في نجاحه بشكل جيد.

سلبيات المؤتمر:

-غياب المادة العلمية المطبوعة موضوع المناقشة باللجان.
-ضعف مفهوم العمل النقابي والإلمام بصحيح قانون المحاماة وتعديلاته لدى بعض مقرري اللجان من أعضاء النقابة العامة، وكذلك أعضاء الفرعيات.

المقترحات:

١.ارجاء تدوين البنود المقترحة لمدونة السلوك المهني حتى مناقشتها مناقشة وافية، وتعديل ما ورد بها من بنود تتعارض وصحيح قانون المحاماة.
٢. تكوين لجنة للصياغة بالنقابة العامة تضم بين صفوفها رموز القانون واللغة، حفاظا على الشكل العام.
٣.مشاركة أعضاء الجمعية العمومية باللجنة التنظيمية للمؤتمر.

٤. إسناد تقديم المؤتمر لبعض أعضاء الجمعية العمومية ممن يجيدون فن الإلقاء واللغة، ولن ينقص ذلك من شأن أمانة المؤتمر شيئا، فهكذا يفعل الحكماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *