أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أزمة اللاجئين من منظور القانون الدولي

أسماء دياب
ينبئ ارتفاع أعداد النازحين فى العالم إلى أكثر من 58 مليون شخص، بحسب ما جاء فى تقرير مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين حول العالم، عن كارثة إنسانية لم يشهدها العالم من قبل، ويضع المجتمع الدولى أمام مسئولية أدبية وقانونية تفرض عليه وضع حلول جذرية لهذه المشكلة الإنسانية.
لقد وضع المجتمع الدولى، عقب الحرب العالمية الثانية، مجموعة من الاتفاقيات، أهمها اتفاقية يوليو 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. ولكن هل معنى هذا أن القانون الدولى، والقانون الدولى الإنسانى، على وجه الخصوص، وفرا حماية للاجئين والنازحين، الذين يشكلون الكتلة الكبرى من ضحايا النزاعات المسلحة، سواء كان داخلياً أو خارجياً؟ الإجابة بالطبع لا، ويشهد على ذلك واقع الحال. فإذا نظرنا إلى اتفاقية جنيف، والبروتوكولين الإضافيين، فسنجد أنها تضمنت إشارات بسيطة إلى اللاجئين. إذن اللاجئون غير مشمولين بحماية القانون الدولى الإنسانى إلا فى حدود توافر الحماية للمدنيين بوجه عام، ولكن لا توجد أحكام فى القانون الدولى الإنسانى تنظم بشكل خاص أوضاعهم كلاجئين.
وعليه، فلم يوفر القانون الدولى مظلة حماية قانونية، تتناسب مع الوضع الخاص للنازحين من أهوال النزاعات المسلحة فى بلادهم، الذين يعانون، خاصة الأطفال، أوضاعا معيشية غير إنسانية، فيضطرون إلى العمل ساعات طويلة فى ظل ظروف غاية فى الصعوبة، تاركين أى فرصة للتعليم لمساعدة عوائلهم، فضلا عن زواج القاصرات للهروب من ظروف معيشية صعبة فى المخيمات، وتكدس عائلات كبيرة فى غرفة كبيرة واحدة ينامون فيها على حصر من الفوم، وانتشار الأمراض الصحية والنفسية، علاوة على الانحرافات الأخلاقية، وسهولة تجنيد هؤلاء الأطفال والشباب فى الجماعات المتطرفة، كل هذا وأكثر يعد نتيجة منطقة لهذه الأوضاع.
نتيجة لما سبق، تعد هذه الكتل البشرية خطراً حقيقياً، ليس على الدول المضيفة فحسب، بل على المجتمع الدولى إجمالاً، فهؤلاء النازحون، خاصة الأطفال، تحت وطأة الظروف المعيشية والنفسية التى يعانونها، يصبحون أرضا خصبة لاستغلالهم من قبل عصابات تجارة المخدرات أو السلاح أو تجارة الأعضاء، حيث يعانى هؤلاء الأطفال أمراضا نفسية نتيجة هول الصور الدموية التى تعرضوا لها، فضلا عن الأمراض الجسمانية نتيجة نقص التغذية والأدوية والأمصال.
بناء على ذلك، فإن على المجتمع الدولى التوصل إلى حلول عاجلة لأزمة اللاجئين التى باتت تشكل خطراً حقيقياً لرفع المعاناة عنهم، ومساعدة الدول المضيفة بمشاركتها فى كثير من الأعباء، بعيداً عن تجارة بعض المنظمات بمعاناة النازحين لتحقيق مصالح خاصة ودعاية شخصية. فغير خاف أن بعض المنظمات توزع مساعدات بائسة، وتبرزها أمام وسائل الإعلام دون أدنى مراعاة لكرامة ومشاعر الأطفال وأسرهم.
وعليه، فإن النظام العالمى لحماية اللاجئين يعانى قصورا يصل إلى حد الانهيار، ومعظم الدول الغنية تتعامل مع أزمة اللاجئين على أنه أمر لا يعنيها، مكتفية بعقد المؤتمرات التى لا تغنى ولا تسمن من جوع. فقد سمح هذا النظام، مرتاح البال، بأن تستضيف بلدان فقيرة فى الشرق الأوسط وإفريقيا نسباً لا معقولة من إجمالى أعداد اللاجئين قد تصل إلى 86%، وتجاهلت هذه الدول المناشدات لتقديم المساعدات الإنسانية، فى ظل شبه إفلاس وكالات الأمم المتحدة، إلى الحد الذى جعلها غير قادرة حتى على إطعام اللاجئين بصورة لائقة.
لذا، نؤكد أهمية ما طرحته منظمة العفو الدولية كمقترحات لحل هذه الأزمة، ونضيف إليه كالتالى :
أولاً : إبرام اتفاقيات دولية ترسخ لمبادئ عامة لحماية اللاجئين والنازحين بسبب النزاعات المسلحة ورفع المعاناة عنهم، تكون ملزمة للدول الموقعة عليها وغير الموقعة.
ثانياً : فتح ممرات آمنة لتعد ملاذات للاجئين، حتى لا يتعرضوا لخطر الموت غرقاً أو براً، مع مراعاة حق الدول فى تأمين حدودها.
ثالثاً : إنشاء صندوق برعاية أممية تشارك فيه الدول الكبرى بالنصيب الأكبر لمساعدة اللاجئين على إعادة إدماجهم فى المجتمعات الجديدة بكرامة وإنسانية، على غرار صندوق ضحايا الحروب.
رابعاً : إعادة توطين اللاجئين الناجين من الحروب، وذوى المشكلات الطبية الخطيرة، فمنظمة العفو الدولية تقدر أن نحو 1.45 مليون لاجئ بحاجة إلى إعادة التوطين.
خامساً : إعطاء أولوية قصوى لملف اللاجئين بالنسبة للمجتمع الدولى، فملف اللاجئين لا يقل خطورة عن ملف الإرهاب.
سادساً : إنشاء نظام عقابى صارم لمعاقبة عصابات الإتجار بالبشر ، وجميع الجرائم التى ترتكب استغلالاً لهذه الأزمة من تجارة سلاح، ومخدرات، وأعضاء، وغيرها، سواء كان دوليا أو داخليا.
فى النهاية لا حل سوى إنهاء النزاعات والحروب التى تجبر الناس على الفرار من أهوالها. وإلى أن يتحقق هذا، فعلى المجتمع الدولى تبنى حلول جذرية، ووضع نظام عالمى لهذه القضية الخطيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *