أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نص مرافعة “عبيد” عن عباس العقاد

الدكتور عبدالفتاح عبدالباقي يقدم/ قضية عباس العقاد المتهم بالعيب فى الذات الملكية فى ظل دستور 1923 الذى يتفاخرون به، وقد ترافع مكرم عبيد مرافعة تاريخية تبدأ بها المقال ثم اتهام النيابة ثم القصة ترافع مكرم عبيد قائلا “

ان القضية المعروضة عليكم ياحضرات المستشارين هي مأساة أمة تمثلت في مأساة فرد, ولكن النيابة رأت أن تتملص من الجوهر إلي المظهر, فرسمت لنا من تهمة باطلة صورة هي أشبه الصور بالحق, وإن لم تكن من الحق في شيء,
لذلك أري من واجبي أن أعرض للمحكمة الصورة الحقيقية لهذه القضية, والواقع أن هذه القضية التي تبدو في الظاهر بين النيابة والأستاذ العقاد هي في الحقيقة بين الرجعية والدستور, أو هي بالأحري بين مبدأ التأخر ومبدأ التقدم, أيا كانت الأزمنة والظروف, وما العقاد إلا خصم للرجعية عنيد, انهال عليها بضربات قتالة, رأت ألا قبل لها به فاعتزمت أن تنكل به قبل أن ينكل بها.
ياحضرات المستشارين :
لو أن هذه القضية, أي قضية الصراع بين الرجعية والتقدم هي الوحيدة من نوعها لجاز أن يكون تصويرنا لها وتعليلنا لأسبابها محل ريبة وتشكك, ولكن الدليل لا يعوزنا علي أن الرجعية في صراعها الدائم مع خصومها طالما لجأت إلي مثل هذا السلاح المعيب وهو التحكك بالعرش وشخص الجالس عليه.
منذ أمد بعيد يزيد علي الألف وتسعمائة سنة, ظهر بين الناس رجل من رجال الله الأطهار, هو كلمة الله وروح منه, ولكنه كان بين الخلق متواضعا فقيرا, لايجد لجسمه غطاء ولا مثوي, حتي أنه كان يقول عن نفسه: إن لطيور السماء أوكارها وليس لابن الإنسان مأوي, وكانت رسالته إلي الناس أن اعبدوا الله عبادة الروح والحق, وانبذوا من الدين تقاليد الرجعيين من رجاله, إذ هي ليست من الدين في شيء. خصومة دينية كما ترون,
ولكن الرجعيين من رجال الدين لم يجدوا سبيلا للانتقام من خصمهم إلا أن ينصبوا له شراكا ليتهموه بعدم الولاء لقيصر صاحب العرش, ورغم قوله صراحة أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله فإنهم شكوه إلي الحاكم الروماني مدعين أنه طعن علي قيصر, ولو أن خصومه لهم لسان النيابة المصرية لقالوا بالأمس ماتقوله هي اليوم من أن المسيح عليه السلام قد عاب في الذات الملكية. ألا ترون ـ ياحضرات المستشارين ـ كيف تلجأ الرجعية, حتي في المسائل الدينية البحتة التي لا شأن لها بالملك ولا بالملوك إلي الانتقام باسم الملكية, وهل لا ترون بأن الرجعية هي اليوم والأمس وإلي الأبد واحدة في تفكيرها وتدبيرها )))
العقاد واجه المحاكمة بتهمة «العيب فى الذات الملكية»، وبدا الاتهام فى جلسة مجلس النواب التى قدم فيها مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة استقالة حكومته يوم 17 يونيو 1930، ووقف «العقاد» بصفته نائبا، ومع حماس الجلسة قال: «ألا ليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس فى البلاد فى سبيل صيانة الدستور وحمايته»: «قوبل هذا التهديد من العقاد للملك من جانب النواب بتصفيق حاد متواصل، جعل أحمد ماهر، رئيس المجلس، يدرك خطورة الأمر، فاعترض مضطربا: ما هذا يا أستاذ عباس؟ أنا لا أسمح بمثل هذا الكلام، ولكن العقاد أصر على موقفه»، وكرر قوله.
السبب كان هو أن الملك فؤادعمل على تعطيل الحياة النيابية وإلغاء دستور 1923، كتحدٍّ لمجلس النواب الوفدى و فى اليوم التالى لما حدث فى المجلس، بدأ العقاد حملة عنيفة على الملك وحاشيته لم تتضمن فقط عيبا فى الملك «فؤاد» وإنما تضمنت فوق ذلك دعوة للثورة والتخلص من أسرة محمد على كلها»، وبدأ نشر هذه المقالات فى التاسع من سبتمبر 1930 بجريدة «المؤيد الجديد» وانتهى منها فى 29 سبتمبر، واستدعته النيابة للتحقيق يوم 14 أكتوبر أى قبل أسبوع من حل البرلمان فى 22 أكتوبر وسقوط الحصانة البرلمانية عنه، كما استدعت محمود فهمى الخضرى بصفته المدير المسؤول لصحيفة «المؤيد الجديد».
حضر التحقيق كبار المحامين الوفديين منهم، محمد نجيب الغرابلى، محمد صبرى أبوعلم، محمود سليمان الغنام، وأمرت النيابة باعتقال «العقاد»، واتهامه بـ«العيب فى الذات الملكية»، و تم اعتقال العقاد فى «سجن مصر» بالرغم من الاتفاق بين نقابة الصحفيين قبل حلها، وبين وزارتى الحقانية والداخلية على عدم اعتقال الصحفى قبل محاكمته.
أحيلت القضية إلى محكمة «جنايات مصر» منذ الثامن من ديسمبر 1930، وبدأت النيابة مرافعتها فى الجلسة المنعقدة فى « 25 ديسمبر 1930»، وقالت فيها، إن العقاد بث فكرة خطيرة فى البلاد وهى أن جلالة الملك يناهض الأمة فى أمانيها، وتخلل هذه المقالات عبارات وألفاظ كلها عيب فى الذات الملكية وطعن فى صاحب العرش»،.
هاجم مكرم عبيد النيابة لأنها رفعت القضية على العقاد الذى لم يصرح مطلقا فى مقالاته باسم الملك، بالرغم من أن المادة 156 من قانون العقوبات التى طلبت النيابة تطبيقها على العقاد، يفهم منها أنه يجب أن يكون العيب صريحا ومباشرا وموجها إلى ذات الملك لا غمزا ولا لمزا، ولا بطريق مباشر، ونفى «عبيد» فى دفاعه أن يكون المقصود بالرجعية هو الملك، واستمد ذلك من نصوص الدستور، إذ قال: «ولكن ما الرجعية التى عناها العقاد؟ هى كل فكرة أو هيئة أو شخص مسؤول عن العبث بالدستور أو بحريات البلاد فى أى زمن من الأزمان»
وفى يوم 31 ديسمبر 1930 أصدرت المحكمة حكمها بحبس المتهم الأول محمود فهمى الخضرى ستة أشهر حبسا بسيطا، والمتهم الثانى عباس العقاد تسعة أشهر حبسا بسيطا.
المرجع :
كتاب «عباس العقاد فى تاريخ الصحافة المصرية» للدكتور راسم محمد الجمال «الدار المصرية اللبنانية- القاهرة».
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *